من ينظر إلى أدبيات تنظيم داعش وما كان قبلها أو ما سيأتي بعدها سيتساءل: كيف ضاقت الحياة بالمنتسبين إليها حتى وجدوا في التطرف سبيلا؟ والمتأمل يجد أنهم في الأصل يفعلون كل ذلك تعليلا لاستفهاماتهم بالبحث عن حقيقتهم الإنسانية وعن الإجابة لكثير من التساؤلات حول ما عرفوه وتعلموه منهجيا أو عشوائيا دون مرشد، فلم توجد لدى بعض الشباب إجابة بعد اليأس وخيبة الأمل وفقدان الثقة بالعلماء إلا بالانتساب إلى الجماعة الضالة كتنظيم أكثر مواءمة، وكتطبيق واقعي يتوافق مع خلفية ثقافية منكفئة وأكثر تجذرا وخصوصية.
نشأ التكفير مع نشأة الفرق بعد وفاة الخليفة الثالث، وأصبحت كل فرقة تناقش الكبائر وأحكام مرتكبيها بالاستدلال بالنصوص الشرعية التي توظفها كل فرقة حسب فهمها الخاص، ثم كادت القضية أن تُنسى حتى طرحت مجددا في الستينات من القرن العشرين، حيث كان ولا بد من توظيف النص الشرعي للرأي حول العديد من القضايا السابقة والمستجدة، فلم تستطع الجماعة أن تصنع أهمية لوجودها إلا بهذه الطريقة.
أسلوب التحريم كان الطريقة المثلى للتحكم عن بعد في الحياة العامة إلى حد الإسراف والابتذال وبالدرجة المعاكسة لطبيعة الفطرة، ووصل الرفض للمخالف في أبشع صيغه إلى مرحلة التكفير، وهي أداة الإقصاء النوعية التي أخذت مكانة وعُمقا في الطرح الفكري، واستطاع الإقصائيون تشريع إطلاقها كأحكام في الخطب ومنابر الجمعة، رغم أن الله لم يمنح هذه الخاصية كحق لبشر لا في كتابه ولا في سنة نبيه، ولكن ضيق حدودهم في فهم الدين يفرض عليهم تصور أن عبادتهم لله بالطريقة التي يعتقدونها تعطيهم المبرر الكافي، فقاموا باجتزاء النصوص وتقطيعها وإثبات الضعيف منها وجعله منهجا يتوافق مع توجهاتهم، حتى أصبح أي فعل لا يوافقونه وينتهجه الناس يعادل الحرام تدرجا إلى الكفر.
ما زال الخطاب الديني عاجزا عن إصلاح نفسه، خاصة بعد صرف النظر عن إقرار قانون يحفظ الوحدة الوطنية الذي كان أملا يساند الحل الذي يأتي في تحديد نشاط خطاب الدين وعمله المؤسسي وحصره في المساجد وحلقات الذكر، إضافة إلى تعزيز فكر الاعتدال والتسامح الذي جاء به الدين في أصله، وترشيد المؤسسة الدينية ووزارة الشؤون الإسلامية لضبط خطاب الأئمة والحد من الاجتهادات الباطلة التي أفسدت عقول الشباب واستغلت حماسهم حتى أصبح التكفير فكرة أساسية لديهم، وكانت سببا في تدهورهم، والعاقل يدرك كم حصدنا من الكوارث نتيجة المنهج غير السديد وكم كان حجم النتائج مكلفا.