لا أدري لماذا تذكرت مسرحية مدرسة المشاغبين وسؤال سهير البابلي لعادل إمام وسعيد صالح: تعرف إيه عن المنطق؟ عندما شاهدت تسجيلاً لحوار بين الفيلسوف المصري مراد وهبة وبين رجل من الذين يؤمنون إيماناً راسخاً لا يتزحزح بأن الانتصار في اللقاءات الحوارية لا يكون بالحجة والبيان، وإنما بارتفاع الصوت وطول اللسان. مراد وهبة هو ذلك الفيلسوف الذي أخرج للناس مجموعة من الكتب المهمة منها: "قاموس المصطلحات الفلسفية"، و"حوارات في موسكو"، و"الإرهاب" و"تدريس الفلسفة"، هذه لمحة قصيرة عنه، أما الحوار التلفزيوني الذي أتحدث عنه، فإنه لا يقل إضحاكاً عن مدرسة المشاغبين، فقد انطلق الخطيب العربي بصوته الجهوري الذي تشعر أنه قادم من أقصى أدغال معدته كالبركان المتلاطم ليقذف بالزبد من شدة الحماسة وحرارة العاطفة، وفي مشهد لا يخلو من تحريك اليدين في إيحاء بالسيطرة الكاملة على الموقف، وإطلاق صرخات تشبه صرخات الهنود الحمر عند رؤية الصيد في الأيام الشاتية، وضربات استباقية وجهها الخطيب العربي للفيلسوف وهبة، فقد تعود هذا الخطيب على أن يقابل ويتحدى من هم مثله في القدرات غير النادرة على الصراخ وصد الضجيج بضجيج مثله، بحيث لا يسمع الناس شيئاً فيعلنون تأييدهم للمنتصر الذي هو من يستمر في الصراخ أكثر، في حين يعتبر السكوت علامة على الهزيمة والخذلان، برغم أنه قد لا يعني أي شيء آخر أكثر من القرف.

المفاجأة التي حدثت لذلك الخطيب هي أن مراد وهبة، لم يكتف بالسكوت، ولم يقابل الصراخ بالصراخ ولم يقاطع كما قوطع، بل استرخى في كرسيه في حالة تشبه التمدد والدخول في مقدمات النوم في إعلان عن انسحاب مبكر من الحوار البيزنطي، وقطع لدابر الذين ظلموا، بينما بقي الجمل العربي في هديره المستمر لدقائق مستشعرا روح الانتصار، ثم إنه تجاوز تلك الحالة وتنبه إلى أن الحوار سوف يكون مملاً بهزيمة الخصم السريعة والتي وقعت مع بداية البرنامج مع أنه يفترض أن يحدث الانتصار في النهاية، نعم، في الحوارات التلفزيونية قد تـُـنسى كل القضية ويصبح أهم شيء هو نجاح البرنامج، فحاول الخطيب أن يبحث عن كلمة تلفت انتباه الفيلسوف وتعيده من حالة الانسحاب تلك، لا بد من إعادته لساحة الحوار، خصوصاً أنه اقترب من السبات وأصبح الوضع محرجاً، فقال الخطيب بهدوء مفاجئ اختفت فيه الحدة والضجيج وقال: "أنا سأرد عليك بالمنطق الآن"!

فقفز الفيلسوف من كرسيه وخرج من انسحابه وجمع يديه فيما يشبه حالة توسل، وقال: "أيوه، رد علي بالمنطق الله يخليك". إنها الكلمة الوحيدة التي عرفها من لغة خصمه، ففرح بها كفرحك بمعرفة كلمة من لغة لا تحسنها وأنت حبيس موقف لا تحسد عليه، فانتفض من حالة الانسحاب التي كان يعيشها فعاد إلى الحوار، إلا أنه لم يلبث أن عاد لانسحابه، إذ اكتشف أن الدعوة للمنطق لم تكن سوى كذبة، وهذا هو حال البيان العربي مع البرهان، منذ زمن بعيد، فكل واحد منهما يستخدم لغة مختلفة، حتى بدا الأمر كفلاح أميّ صيني يحاول أن يقنع رجلاً من أهل "الغاط" أن سعر الكوسا لم يرتفع!

الاحتكام إلى منطق العقل ليس دعوى، بل هو التزام كامل بقبول حكم يمكن أن نسميه النظام الشامل للأشياء ولا يمكن أن نحترم من يحاول أن يتلاعب في هذه المنطقة فيأخذ ما يحلو له ويترك ما لا يحلو، هذا التلاعب هو ما نراه شائعاً راسخاً في كل ثقافتنا العربية حتى بدا خطابها أعور أعوج بحيث جعلنا في عزلة عن العالم وفي عجز كامل عن التواصل مع الآخر أو حتى في إيضاح وجهة نظرنا في أهم قضايانا وأوضحها وأبسطها، فحتى يزول هذا الغبار، دعونا نردد فيما بيننا: ماذا تعرف عن المنطق؟ لعل تكرار هذا السؤال على أنفسنا يحدث فرقاً ولو على الصعيد الشخصي لكل واحد منا.