عندما تحاول أن تتحسس حنجرة الأرض، وتلمس بيديك نوافير القلب، وتطلق أسرابا من طيور الحنين والوجد، فتحدث مع كائن من حي "مناظر" بأبها، وهو أول حي قامت عليه المدينة، ستلمح في عيني ذلك الإنسان ليلة مطيرة من الذكريات، وغرغرة موجوعة من الآهات، يستجمع في صوته همهمة الشرفات، وفوانيس الأزقة، ومخاض المساءات، ومداخن البخور، ومنابت الأحلام المنسربة من تحت السقوف "السدد" التي تشكل طرقا وممرات جعلت هذا الحي ينفرد بذلك النمط المعماري الفريد، فمناظر جبل "مازن" من الجهة الجنوبية ويتوسطه ميدان "البديع" وهذا سر أناقته ودهشته وملاحته، الصديق الدكتور "شاهر النهاري" عاش طفولته في حي "مناظر"، ولذا فهو يروي مشاهداته في ليلة العيد، حيث أبصر أهل ذلك الحي يتسابقون لطلاء جدران منازلهم بصبغة "النوره" لتظل المدينة بيضاء القلب والقالب علي حد تعبيره فالأرضيات مخضورة تفوح منها روائح أوراق "القضب"، والمنازل غارقة في عبير "الخضار" و"الصهار"، في تلك العشية الهادئة كادت أن تصيب أولاد الحي "الفريحا" وهم يسمعون غير مصدقين دوي مدفع القلعة الشامخة فوق جبل "ذرة" يضرب مبتهجا ومعلنا عن قدوم أول أيام عيد الفطر المبارك، يركض "علي" متجها إلى باب بيته ويكاد "يتعثرب" في "المعقم" من فرط سعادته، يدخل علي أمه ليزف لها النبأ السعيد، ويسألها عن ثوبه الجديد "وكندرته وقبعته وشرّابه الأبيض ومخلاته الصغيرة؛ ليجمع فيها القروش والحلاوي التي ستصله من عيديات الأهل والجيران"، ينقلب البيت إلى خلية نشاط، البنت تساعد أمها في "الحواق"، والأم تسرع إلى غرفة الضيوف فترتبها وتضع وسطها صحنا مملوءا بالحلويات وآخر باللوز و"مطرح" زبيب وصحن التمر المجفف، والبعض يقدم "صحن العيد" المعد من البر والسمن والعسل، على القرب من بيت "علي" وفي غرفة صغيرة مظلمة منزوية يرقد اليتيم "معدي" بحزن جارح ودمعة حارقة، فهو يسكن مع جدته العجوز الفقيرة في سقيفة بائسة، معدي ثوبه الوحيد أمسي كـ"القشع" و"شبشبه" تهتك من كثرة الترقيع، يعلم أن العيد سيأتي لا يزور أحدا ولا يزوره أحد، قبل أن يستسلم لسلطان النوم سمع طرقا خفيفا على باب غرفته ظن أنه صوت الريح، نادي جدته "المنسدحة" في ركن السقيفة وسألها إن كانت تنتظر أحدا، فتح "رزة" الباب ليشاهد في الظلام وجه صديقه "علي" وخلفه وجه والده المبتسم، قدم علي "بقشة" لمعدي وقال له: عاد عيدك يا معدي، لا تنس أن تكون جاهزا قبل الفجر لنذهب مع والدي إلى صلاة العيد، وقل لجدتك لا تتأخر عن فطور العيد معنا، وكالحلم الجميل ينصرفان في الظلمة، محتويات "الصرة":

"ثوب أبيض جديد على مقاس معدي، شبشب لامع، ثوب لجدته وشيلة، ومنديل أصفر وخمسة أريل موضوعة وسط الصرة المملوءة بالحلوي واللوز والزبيب".