واخَجْلةَ الأرضِ تلقَاكُمْ وتلْعَنُكُمْ

وتغْتَـلي تَحْــتَكُمْ نَـاراً وتَـزْدادُ

أرضٌ تناسَلَ فيها وجْـهُ قاتلِهَا

تَمْضي إلى التِّيهِ غَصْباً وهي تَنْقَادُ

أنشأ محمد زايد الألمعي البيتين السابقين، قبل ربع قرن، أي قبل سنوات من ولادة قاتل خاله، وقاتل أبيه، ومفجر نفسه في مسجد!

من المبكي والمحير، أن البيتين بقيا صالحين للاستشهاد بهما الآن، برغم مرور ربع قرن، كما كانا صالحين للحدث عند إنشائهما، وكما استمرا صالحين للأحداث المريرة، عبر سنوات عمرهما، مما يعني أننا فشلنا في أن نضع عقولنا على مواطن الخلل عبر هذه السنوات كلها؛ لأننا نفرّ فرار الواثقين من الاعتراف بأخطائنا، فنعود إلى الوراء خطوات، كلما تقدمنا خطوة واحدة، بل إننا نلوم بشدة، أو نشتم، أو نفسّق، وقد نكفّر، دعاة تجديد الخطاب الوعظي بحجج أوهى من قصة خرافية يسوقها واعظ عن كرامات المجاهدين!

في أقل الحالات، نقول لكل من ينتقد محرضا: "فلان تاج راسك"، أو: "من أنت أيها الرويبضة حتى تنتقد كلام الجهبذ؟"، ثم نزيد على ذلك تنزيه "الخطّائين" من بني آدم عن الخطأ، فلا نمنحهم فرصة أن يكونوا من "التوّابين"، ولا نمنح أنفسنا فرصة المراجعة، لنعود إلى المربع الأول في المشكلة، وكأننا لا ندرك أنها ناجمة عن خطاب واحد، يتحوّر ويتلوّن ويتلوّى، ليتكيف مع آيديولوجيات الجماعات على اختلاف أهدافها وأسمائها، فيما المزرعة واحدة، والمنتج واحد.

في البيتين، صبّ محمد زايد جام غضبه على الأمة، مصوّرا خجل الأرض/ الأمة من أبنائها، حتى إنها تلعنهم، وتغلي قهرا وغبنا؛ لأن قاتليها آتون من نسلها.. من فكرها.. من تطرفها.. من تقديسها البشر.. ولأن سلوكهم الدموي ناجم عن خطاب الكراهية والعدوانية والتصنيف والرفض والأحادية الذي اتخذته فئات من هذه الأمة منهجا، فاستغلته ووظّفته فئات من خارج هذه الأمة، ولذا لم يعد لها إلى الفخر طريق، غير أنها تمضي إليه منقادة واهمة عمياء، كالفراشة المنتحرة في النار، وهي تظنها نورا.

تلك الأمة – في حقيقتها - عليمة بأنه لم يعد لها إلى المجد أو التيه سبيل، وكيف لأمة تنجب قاتليها أن تفخر، أو تنهض، أو تبني، أو تؤثر إيجابا في الحضارة البشرية؟!

هي فقط، تتوهم المجد بناء على الخطاب الماضوي الاجتراري ذاته، ذلك الخطاب الذي أوهم قاتليها بأن مجدها كامن في قتلها، وفي التدمير والتنكر لأيسر مبادئ تعامل الإنسان مع الإنسان، فضلا عن تعامله مع أهل الفضل عليه، كالأب والخال، وهو ما كان خلال الأسبوعين الأخيرين، إذ قتل أحدهم أباه، وقتل الآخر خاله، في مشهدين دالين على تأصل الشر في نفوس المحرضين، وأنهم قاطعو كل آصرة، وقاتلو كل ما يمت إلى الإنسانية بصلة، فضلا عن السلام، ودين السلام. ..وبعد ربع قرن، يتضاعف خجل الأرض من إنجابها قاتليها.. يتضاعف خمسة وعشرين ضعفا!

..وبعد ربع قرن، ما زالت المزرعة تنتج محصولا واحدا، لكنه ذو أسماء مختلفة.