حادثتان متناقضتان ومتشابهتان في الوقت ذاته، وقعتا خلال أيام العيد تدلل على الهوة الشاسعة والتطرف والمبالغة في التعاطي مع المواقف، وهي انعكاس لحالات شبيهة استفحلت لدى كثير من أبناء مجتمعنا. الحادثة الأولى، هي تلك التي تتعلق بتحرش مجموعة من الشباب بفتيات، والتي أوضحت أن المجتمع مهما حاول أن يصبغ على نفسه بهالات الطهارة فإن العفن الاجتماعي أمر حتمي مهما كان المجتمع منغلقا ومنطويا أو منفتحا متداخلا مع العالم؛ فتلك النماذج التي تضمنها المقطع الذي انتشر بشكل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي كشف انعدام التربية لدى بعض أبناء هذا الوطن، والذين لم يضعوا لا لتعاليم الدين أو أخلاقيات المجتمع أي اعتبار أو قيمة عندما قرروا التحرش بفتيات بشكل لا يمكن أن يوصف إلا بأنه انحطاط أخلاقي ناتج عن سوء تنشئة وتطرف مشين في اللاأخلاق، ناتج عن رغبة غير منضبطة في إثبات رجولة وقوامة تَكّون مفهومها بشكل مشوه عبر أنماط تعليمية واجتماعية لم تضع في عين الاعتبار نفسيات المراهقين، فنتجت لنا هذه المسوخ المتطرفة التي لا حياء لها ولا احترام.

في الوجه المقابل، نجد أن حادثة طمس صور فتيات صغيرات في لوحة إعلانية لمهرجان ترفيهي، ثم كتابة عبارة "الله أكبر" عليها لهو الدليل القاطع بأن لدينا مشكلة ذكورية في التعامل مع كل ما هو أنثوي، فهل يعقل أن يكون مسبب هذا الطمس أن المجهولين الذين قاموا به قد نظروا إلى تلكم الفتيات الصغيرات بنظرة خارجة عن الاحتشام والأدب الذي أوصانا به الدين؟ الجواب بطبيعة الحال نعم، فهؤلاء الطامسون لا يرون مشكلة في أن تتزوج الطفلة رجلا يكبرها بأربعين عاما، وبالتالي فهو يراها وكأنها منتجا أنثويا مغريا مثل إليسا او جينيفر لوبيز أو لنقل أي امراة على وجه العموم، فمن يطمس صورة طفلة خوفا من الفتنة لا شك أن في عقله عطبا، وفي نفسه آفة، وفي أخلاقه حالة من الاضطراب المتطرف.

التناقض والتشابه في الحالتين يكمن في أن التطرف في المواقف في مجتمعنا أصبح واقعا ملموسا، فلم تعد الوسطية والاعتدال الذي نادى به الدين السمة الغالبة على تصرفات كثير من أبناء المجتمع، وعلى الرغم من أني أحاول أن أقنع نفسي بأن ذلك غير صحيح إلا أن ما نراه ونسمعه من حالات فكرية وتصرفات ومواقف اجتماعية يدفعنا إلى القول، إن توجيه المجتمع نحو الاعتدال لا يتطلب فرض نمط معين من التفكير، وفلسفة معينة من التنشئة الاجتماعية، بل يتطلب زرع مفهوم احترام المرأة وحمايتها، وإقرار قانون يحارب التحرش ثم تطبيقه بشكل صارم.