كانت الصورة النمطية في الغرب حتى وقت قريب، تؤكّد أنّ الأمومة تدمّر حياة المرأة وتسهم في اضطهادها، ولعلّ بعض الناشطات النسويّات الشهيرات أمثال سيمون دوبوفوار وبيتي فريدان، كنّ وراء تعزيز تلك الفكرة، ولكن يبدو أن هذه الفكرة تسير نحو الزوال الآن، بعد نتائج العلم الحديث التي بدأ الناس في التعرّف عليها مؤخّراً.
بدأت هذا الاتّجاه الفيلسوفة (سارة روديك) في كتابٍ بعنوان (التفكير الأموميّ)، حاولت التأكيد بواسطته على فكرة "أنّ هناك فوائد عقليّة في الأمومة" مدعّمة تلك الفكرة بنتائج لتجارب علمية محترمة. تقول روديك في إحدى فقرات كتابها: "مهما يكن مزيج السعادة والحزن الذي يضفيه الالتزام برعاية الأطفال إلّا أنّه يوسّع حياتها الفكريّة. تتآمر مسؤوليات التربية، والعمل المرهق، ووجهات النظر الضيّقة لمهنة ما، أو نظام أكاديميّ معيّن لإضعاف الحياة العقلية لمعظم البالغين لا سيما النساء. إلّا أنّ الأطفال ساحرون، فبالرغم من أنّ رعاية الأطفال قد توقظ صراعات الطفولة لدى الأم، إلّا أن ذكاء الأطفال الحيويّ يعمل على إيقاظ ذكائها أيضا. ذلك أن رعاية شيء ينمو تتطلّب استجابة ترحّب بالتغيير وتحفّزه".
وقد بدأ الاتجاه القائل بتلك الفكرة في التوسّع بعد كتاب روديك معزّزا بتطور علم الأعصاب في تسعينات القرن العشرين، وعيشة النهضة التي نعرفها الآن. فقد اكتشف الباحثون وفق أدلّة قويّة أنّ ظنّنا عن الدماغ الراشد بكونه يصبح ثابتاً بعد سنّ المراهقة بوقتٍ قصير ظن خاطئ، فالحقيقة أن الدماغ يستمر في التغيّر والتشكّل طوال الحياة.
أصبحنا نعرف الآن أن الناس الذين يعكفون على بعض الأعمال تتغير أدمغتهم أثناء تكريس أنفسهم لها. فالمنطقة الدماغية المخصصة لأصابع عازف الكمان على سبيل المثال تتغيّر، تزداد حجماً كلّما تمرّن على العزف. ومن الأمثلة العلمية على ذلك أيضاً أن صور الدماغ أظهرت مركزاً دماغياً للذاكرة يسمّى (قُرَين آمون)، يصبح أكبر حجماً لدى سائقي سيارات الأجرة في لندن حيث يتوجب عليهم حفظ خرائط المدينة عن ظهر قلب. وهذا ما دعا (كاثرين أليسون) إلى التقاط هذه الفكرة في إحدى فقرات كتابها (دماغ الأمّ) لتقول: "المقولة الصحيحة هي: قل لي ما تعمل وليس ما تأكل، أقل لك من أنت. وليست الأمّهات استثناء من هذه القاعدة، فالعلماء يعتقدون أن الاستجابات المتكررة المتعلقة بالذكاء العاطفي، كضبط النفس، والتقمص العاطفي، تستطيع أن تقوّي المراكز العصبية في الدماغ وتجعلها أكثر استجابة، إنّ ذلك يشبه جعل المسار أكثر وضوحاً مع تكرار التنزّه والمسير).
ولكن هذا ليس كلّ شيء، بل يقرر العلم الحديث الآن أن دماغ الأم يتغير بيولوجيا بشكل مدهش بمجرّد الولادة نحو التكيف لإنجاز قدرات كبرى لم يكن بمقدوره إنجازها قبل التعرض العصبي لتجربة الولادة نفسها، وهذا الأساس البيولوجي موجود في بعض الثدييات كالجرذان كما أشارت نتائج دراسات (ماريان دايموند)، وهي من علماء الأعصاب القلائل الذين سُمح لهم بتشريح دماغ (آينشتاين)، وقد كانت بالمناسبة أمّاً لأربعة أطفال.
ومن التجارب العملية التي عززت القول بترقي قدرات العقل الأنثوي بمجرّد الأمومة نتائج الاستبيان التي أجراها عالما الأعصاب جيفري لوبوم وساميت كوسي على ثلاثين امرأة قاما مسبقاً بتصوير أدمغتهن، وسألاهن عن التغيرات الحاصلة على سلوكهن بعد شهرين من الولادة، فذكرن أنّهن أصبحن أكثر لطفاً وتفهّماً لوجهات نظر الآخرين، وأقل قلقاً حيال مظهرهن أمام الغير، كما أن سرعتهن في معالجة التوتّر صارت أفضل، بل وأصبحن يلحظن قدرتهن على إنجاز مهامّ متعددة. وقد حدث أن وسعت عالمة النفس (رافينا هيلسون) تلك التجارب باستدعاء عينات أكبر -حوالي 121 امرأة- عام 2004 ودراستها على مدى خمس سنوات. وقد كانت جميع عيناتها من الخريجات الجامعيات، وقد توصّلت إلى أن الكفاءة المهارية لدى الأمهات أعلى منها لدى نظيراتهن، حتى خارج حقل الأمومة والزوجية، كما أن التفهم والشعور بالمسؤولية رُصد لدى الأمهات بشكل يفوق الأخريات.
أغلب معلومات هذا المقال استقيتها من كتاب (دماغ الأم.. كيف تثري الأمومة ذكاءنا وتنمي قدراتنا) وهو كتاب ثريّ وسلس، قد مثّل لي رحلة رائعة، أدهشتني فيه قدرة العلم على تحطيم المفاهيم النمطية المعتادة التي لا تقوم على أدلة سوى تكريس الاعتراف بها من المحيط.
أخذتني الذاكرة إلى تجارب تخصني وأخرى تخص أمّهات غيري، وكيف كنّا نظن تغلبنا على عوائق الأمومة من المعجزات، وإن كنّا نشعر بأن للأمومة دورا حقيقيا فيما أصبحنا عليه. إلا أن الأمر الآن يبدو لي أكثر وضوحاً، نعم لعل السبب الحقيقي في كل إنجاز ذهني تمكنا منه، هو تعرّضنا لنعمة الأمومة التي هي أكبر ما أشكر الله عليه من نعم.