في كل مرة من مراحل تربية أحد أبنائي واجهت تحديات واتخذت قرارات ثم رأيت نتائج هذه القرارات، حقاً لم أدرك مدى صعوبة تربية الأبناء إلا عندما أصبحت أباً، كم كنت أنتقد بعض ممارسات والدي في التربية، ولكنني أدرك الآن أن كثيراً منها لم يكن كما كنت أقرؤه آنذاك، وأخذت أنظر من حولي لنتاج أساليب التربية المختلفة لعلي أجد نمطاً أو نموذجاً أو عوامل مشتركة للتربية المثالية، فأعياني البحث ووجدت القضية أعقد بكثير مما كنت أظن، وقفت عند مقولة سيدنا علي رضي الله عنه: (لا تربوا أبناءكم على ما أنتم عليه، فقد ولدوا لزمان غير زمانكم)، ماذا قصد سيدنا علي بذلك؟ وهو من رُبيَّ في بيت النبوة وجمع الله له البلاغة والحكمة، هل ما قصده سيدنا علي هو ما يشير إليه إيكارت توللي في كتابه (أرض جديدة)، حيث يبين كيف يمكن أداء وظيفة الأب والأم دون أن نتماهى مع هذه الوظيفة، أي من دون أن نحولها إلى دور، أن لا تصبح الأبوة هوية وألا يصبح شعوري بذاتي مشتقاً كلياً أو جزئياً منها، مما يؤدي إلى تضخيم هذه الوظيفة والمبالغة بها، فيتحول واجب إخبار الطفل بما عليه وبما ليس عليه فعله إلى حاجة أبوية كالسيطرة والهيمنة، فخطورة ذلك أن هوية لعب دور الوالد تستمر لفترة طويلة حتى بعد زوال الحاجة إليها، فلا يستطيع الوالدان التخلي عن حاجتهما إلى حاجة أبنائهما لهم.
ابتسمت في نفسي وقلت: كم من الوالدين من لا يمكنهما التخلي عن فكرة "أنا أعرف الأفضل لك" حتى عندما يصل الأبناء سن البلوغ والرشد، بل وحتى عندما يتعدون الأربعين من أعمارهم، ويستمر دور الأبوة بصورة قهرية إلزامية مسيطرة متحكمة مهيمنة، وبذلك تموت أي فرصة لتكوين علاقة أصيلة بين الوالدين والأبناء.
وصعوبة الأمر أن الآباء الذين لم يدركوا أنهم قد عرَّفوا أنفسهم من خلال هذا الدور فأصبح هويتهم الرئيسية، يخافون على مستوى اللاوعي من خسارة هويتهم إذا هم توقفوا عن لعب دور الأبوة، بل قد يصابون بالإحباط عندما يرفض أبناؤهم البالغون أن يمتثلوا لرغباتهم فينهالون عليهم بالانتقاد واللوم والاعتراض، ويشعرون الأبناء بالذنب، وكلها محاولات اللاوعي للحفاظ على دورهم وهويتهم، ولكن لماذا يفعل الآباء ذلك؟ إنها (الأنا).. أصبح دور الأبوة جزءاً من (الأنا)، وفقدان هذا الدور هو فقدان لجزء أو كل من (الأنا) على قدر ومدى تعريف الهوية من خلال هذا الدور. بل إن كثيراً من الآباء لا يدركون أنهم طوعوا دور الأبوة وسخروها لا من أجل تربية الأبناء، وإنما لإكمال (الأنا) الناقصة فيهم من خلال أبنائهم، وتوجيه الأبناء ليقوموا بإكمال (الأنا) الناقصة ومعالجة الإحساس بنقص (الأنا) التي في الوالدين.
هنا توقفت وتذكرت كيف كان موقفي عندما بلغ ابني الأكبر سن المراهقة وأسدل شعره، فكان رد فعلي الأول أن أفرض عليه أن يقصر من شعره، ولكني عندما سألت أحد المختصين وبدأ في طرح أسئلة عليَّ أدركت أن جزءاً كبيراً من رغبتي في أن يقصر شعره كانت (الأنا) التي فيَّ، لأنني نظرت إليه وكأنه امتداد لي، صورة مكملة لصورتي، وجدت في إسداله لشعره مخالفة لصورة (الأنا) التي أريدها لنفسي وليست من باب التربية المحضة، فتركت له الخيار في ذلك وحررته من (الأنا) التي فيَّ والتي كانت تريد أن تخضعه للصورة التي تحبها لنفسها.
وقد تظهر بعض الرغبات الأبوية في جمل مثل "أريدك أن تحقق ما لم أحققه أنا في حياتي"، "أريدك أن تكون رجلاً مهماً ويتحدث عنك الناس". وإذا تعمقت في هذه الجمل وجدتها تحمل في العمق بعداً آخر، وإذا قرأناها على مستوى العقل الواعي المدرك، فإنها قد تكون كما يلي "أريدك أن تكون رجلاً مهماً ويتحدث عنك الناس وبذلك يتحدثون عني" أو "أن تصبح مهماً في نظر العالم، وبذلك أصبح أنا مهماً كذلك، أي أن أصبح أنا شخصاً مهماً من خلالك.. لا تخيب أملي فقد ضحيت في سبيلك الكثير".
وعندما يكون رد الأبناء غير متوافق مع رغبات الوالدين مثل "ولكن لا أريد أن أحقق ما لم تحققه أنت في حياتك، وإنما أريد أن أحقق ما خلقتُ من أجله، ما يجعلني سعيداً، وما أجد نفسي فيه"، عندها يبدأ الصراع ويلجأ بعض الآباء بإشعار الأبناء بالذنب حتى يذعنوا لرغبات الوالدين من منطلق أن الآباء يعرفون ما هو الأفضل لأبنائهم، بل ويمارس الكثير من الآباء الابتزاز العاطفي بلغة مثل "أحبك وسأظل أحبك إذا فعلت ما أعلم أنه الصواب والخير لك، بل ومنهم من يطوع مفهوم البر والرضا لإذعان الأبناء لرغباتهم.
يقول إيكارت توللي في كتابه (أرض جديدة): "بعض الآباء الذين تكلمت إليهم أدركوا فجأة، فقالوا يا إلهي أهذا ما كنت أفعله!" ما إن تتبين ما تفعله أو ما كنت تفعله فإنك ترى عقمه وعندئذ يبلغ هذا النمط اللاواعي نهايته بصورة تلقائية، فالوعي هو أعظم عامل من عوامل التغيير.
ترى هل هذا هو ما قصده سيدنا علي رضي الله عنه عندما قال: (لا تربوا أبناءكم على ما أنتم عليه، فقد ولدوا لزمان غير زمانكم).. كم كان سيدنا علي سابقاً لعصره، كيف لا وقد رُبيَّ في بيت النبوة؟
سألت نفسي وكيف يجب أن يكون رد فعل من اكتشف أن والديه أو أحدهما ينهج معه هذا النهج. وجدت الإجابة في كتاب (أرض جديدة) وكتب علم نفس عديدة، حيث ينصح علماء النفس أن لا يواجه الأبناء آباءهم بذلك، لا تقل لهم إنهم غير واعين وأن (الأنا) التي فيهم تسيطر على طريقة تعاملهم مع أبنائهم، لأن ذلك على الأغلب سيزيد من حالة اللاوعي لديهم، وستجد (الأنا) طريقة لتقوي موقفها داخلياً بالتبرير وستتخذ موقفاً دفاعياً فتعمق هذه الممارسات على مستوى العقل اللاواعي.
وفي مقال قادم بإذن الله سنحاول الإجابة عن سؤال: كيف يجب أن نربي أبناءنا؟ وما الذي يحتاجونه أكثر من أي شيء آخر؟ كما سنتحدث عن التربية المتناقضة بين الإفراط والتفريط وتداعياتها على أطفالنا في المستقبل، وحقهم في المساحة الكافية التي ينبغي أن تتاح لهم لكي يحققوا أنفسهم.