بقليل من التمعن في المجريات التي تحيط بنا، وأقصد العنف الذي يشتكي منه العالم، وكيف أنه يعتمد على المراجع ذاتها -تقريبا- التي يعتمد عليها دعاة تعميم السلام بين الناس؟! ما دام الأمر كذلك؛ فمعناه وجود خلل إما في التفسير للمكتوب، أو أن المكتوب خطأ كله، أو بعضه، والخطأ لا يمكن أن يترك دون أن ننتقده، وإلا عم الشر بين الجميع، واستشرى البلاء بين الكل.. كل الهرج والمرج الحادث والمشاهد يعتمد أصحابه ـ كما ذكرت ـ على أدلة مشتركة، أو أدلة مذكورة في كتب معتمدة، وهنا مكمن الخطورة، وهذا هو أساس البلاء، ولذا كان أمر النقد المفصل والواضح والصريح من العلماء، ورموزهم بدرجة أولى؛ ضرورة حتمية.
لا شك أن السكوت والسكون معيب -بصاحبه- من ناحية، بل ويمكننا أن نعتبره أنه تأييد مبطن للعنف من ناحية أخرى؛ فلا يوجد أي تبرير مقنع يمنع العلماء من النقد بكل قوة لمنهج المخالفين، ولا يوجد أي شيء يمنع الناس من الاختلاف، حتى لو كانت النتيجة النهائية أن مجموعة كبيرة من مؤيدي فكري صاروا مع غيري، ومجموعة صغيرة هي التي ظلت معي؛ فلماذا نخشى من النقد، ومن خافه لماذا لا يكشف لنا عن وجهه ويؤيد!؟.. ولماذا نخشى من التأييد، ومن خافه لماذا لا يفتح فمه وينتقد!؟.. الموضوع محير بالفعل.
الجميع وبصريح العبارة لديهم ما يقرب للإسلام دينا، وما قد يبعد عنه؛ هناك العقلي الصارم، ويقابله الخرافي المختل، وهناك الوقاف عند حروف النص، ويقابله الخائض في تعليلاته، وقائمة الأضداد تطول، والآن في داخل البيت الواحد توجد تناقضات فكرية مخيفة، ولن يسهم في حلها من يقف موقف المتفرج عليها.. بوضوح، المشهد العام يتحكم فيه من يتكلم وكأنه المالك للشريعة، والناطق باسم السماء، وأن وصف أهل السنة والجماعة لا ينطبق إلا عليه، ويتخلله أيضا من يعتقد بأن وصف السنة والجماعة ينحصر فيه وفي جماعته، والأنكى من ذلك، والأمر منه أن كل هؤلاء يقولون بأنهم (الفرقة الناجية) من النار، وغيرهم إلى جهنم وبئس المصير..
انعدام النقد الصريح أطلق الأسلحة بين الناس، بعد أن أقصى الناس بعضهم بعضا، وحجة الكل أن الحياة لا يستحقها من هو ضدي، وزادت حدة المعارك الفكرية، ومحاولات تخفيف وتيرة الأزمات ستخيب إن لم تكن هناك مكاشفات صريحة، وسعي حثيث ونظيف.. نحتاج إلى النقد الذي ألمحت إليه سابقا، قوات خاصة، ومتعددة المواهب، تتحلى بها جميع الأطراف: خوف من الله تعالى، وضمير حي، ونفسيات مهذبة، وبعد عن آفة التعميم المطلق، وإنصاف مستمر.
من يكره أحد المشايخ، ويرى أنه أصل كل شر في الأمة، أقول له أخطأت، ومن يتطاول على أحد الأئمة، ويرى أنه أصل كل بدعة وضلالة، أقول له أخطأت، وعلينا أن ننتقد مواطن الصراع، لنصل إلى مرحلة التكامل يبين الكل؛ أما ترك الأمور على حالها فهو مشي في مسيرة شديدة القتامة، وتمزق لا نهاية له، بل ودعم مبطن للخطائين من كل اتجاه.. المدرسة التي ينبغي أن تسود الجميع هي (المدرسة المصححة)؛ لا بد أن نحاول وبكل وسعنا القيام بتصحيح مسارات بعضنا البعض، بلا حكم مسبق، أو إقصاء مقصود، أو تصلب مقيت، أو شخصنة بغيضة، أو شيطنة للغير، وبدون ذلك كلنا شركاء في الذنب، وشركاء في الخسارة.