كم من مرة اضطرت امرأة أن تراجع مؤسسة حكومية من أجل قضاء حاجتها، سواء كانت للتوضيح أو الاستفسار أو المعالجة، وتصدم بهذه العبارة الواردة في العنوان، وكأننا أتينا من المريخ وهبطنا فجأة عليهم! لو أن قسم السيدات هذا في حال وجوده كان لديه الصلاحيات الكافية للتعامل مع القضايا التي تراجع من أجلها السيدات هل كانت إحدانا تكلف على نفسها وتقتحم عرين الأسد وهي تعلم ماذا ينتظرها من معاملة؟!

ماذا يعني أن "المكان غير مهيأ"؟ حقا ماذا يعني؟! هل تحتاج مثلا إلى كراسي أو أثاث خاص بها؟ هل سيتأثر كل ذكر موجود في ذلك المكان من منظر المرأة وحفاظا على شعوره الرقيق يجب حجب دخول المرأة؟!

يا سادة، المضطر يركب الصعاب، والمرأة حين تلجأ إليهم تفعل ذلك لأنها وجدت أنه الطريق الوحيد وليست ذاهبة لتتسلى بـ"الطلات البهية" لكل من في القاعة أو المبنى!

آلمني جدا كما حز في نفس كل إنسان سوي لديه مشاعر وقلب نابض وقبل ذلك شعور بالإنسانية والتعاطف مع الغير، مأساة المعلمة التي ماتت من القهر على مستقبل ابنتها الذي رسمته خطوة خطوة في خيالها، وحلمت به لدرجة أنه أصبح هاجسها، هل نعلم ماذا يعني أن يكون أمر ما في حياة المرء "هاجس" شعور يرافقه ليل نهار، يسعى إليه في مجهوده وفي دعواته عند كل صلاة، ومع بزوغ كل فجر وغروب شمس كل نهار؟! هل نعلم ماذا يعني أن يتحطم أمام عينه ذاك البرج الذي بناه حجرا حجرا أمام عينيه؟

إنه القهر بعينه! وتلك المرأة، رحمها الله، ماتت من القهر ومن الإهمال!

أي إهمال أتحدث عنه؟ إهمال التعامل مع البشر، إهمال التعامل مع المواطن المراجع سواء كان رجلا أو امرأة!

نعم، لقد قابل العميد والد الابنة، ولكن ماذا عن الأم؟ هل كان عليها أن تقف كالذليلة في موقف السيارات وتحت حرارة الشمس الحارقة، لأنها امرأة والمكان غير مهيأ لاستقبالها؟ حدث وأتت، ألم يكن من الإنسانية أن نضعها في غرفة مكيفة ونأتي لها بعصير لنهدئ من أعصابها، خاصة أنها كانت تبدو عصبية وفي حالة تشنج واضح؟، لماذا لم يتفهم أحد حالتها بل سيق بها إلى الخارج كأنها قطيع وليست بشرا؟! كان بإمكان من قابل زوجها التوجه إليها، فهي الأم كما هو الوالد، هل نعي ماذا تعني كلمة "أم"؟، كان بإمكانه التوجه إليها وإعلامها أنه يتفهم ما تعانيه وتمر به، وبأنه يقدر حرصها على مستقبل ابنتها، وبأنه سيقوم بمعالجة الأمر بنفسه حتى تحصل الابنة على حقها، هل كان هذا صعبا عليه؟، أم لأنها امرأة إذن هي جماد بلا مشاعر؟!

يا سادة، الحجر يعوض، والمال يعوض، ولكن الروح لا تعوض!

نعم، تشكلت لجنة وربما يعود الحق إلى المواطنة الطالبة، ولكن من يعوض تلك الأسرة عن أهم سند لهم، بعد الله سبحانه وتعالى؟، كيف سيكون طعم النجاح لتلك الفتاة بعد أن دُفع ثمنه حياة والدتها؟! هل ندرك كمجتمع حجم الخسارة التي تكبدتها تلك الأسرة المنكوبة؟!

لا نريد سماع أنه عوقب فلان أو علان، لأن فلانا وعلانا لم يكونا على ما أظهرت الأحداث مؤهلين أو مدربين أو حتى بصلاحيات للتعامل مع حالات كهذه! ولا نريد أن نسمع بـ"سوف" أو أخواتها. نريد أن نرى نتائج على الأرض. حلول قابلة للتطبيق على الأرض وليست حبرا على ورق!

نريد حين تراجع المرأة أن تعامل كمواطنة درجة أولى، لها أحاسيس ومشاعر مرهفة حباها الله سبحانه وتعالى بذلك، من أجل من تحتضنه بين جناحيها من أفراد الأسرة، نواة المجتمع بل نواة الوطن!

نريد أن تمنح الفروع النسائية بكل المؤسسات الحكومية والخاصة صلاحيات التصرف، ولا تتعطل المعاملات حتى تصل إلى هذا أو ذاك المسؤول!

نرى مراكز عالية للمرأة ولا نشهد لها صلاحيات تذكر، مجرد ذر الرماد في العيون. يُمنحن صلاحيات لا تكاد تُرى إلا بالمجهر. يتسلون بها ويصدقن أنهن صاحبات مراكز، تُزين بها السير الذاتية لا أكثر ولا أقل!

إن الفروع النسائية يجب ألا تكون مركز تحويل المعاملات واستقبالها، يجب أن تكون مراكز اتخاذ القرار والتنفيذ، وحينها لن تزعج النساء الرجال ولن يحتاجوا لشراء "عفش" من المريخ، وإضافة مرافق نسائية تهد من ميزانية تلك المؤسسات وتؤثر على ديكور المكاتب الفاخرة، لا سمح الله!

سمعنا كثيرا أن الإدارات النسائية تعطل المعاملات، والعمل فيها أقرب منه إلى الفوضى وتضيع الوقت. كلام وتبريرات العاجز. مَن تقوم على خدمة المنتسبين إلى مؤسستها والمراجعات، ويكون سير العمل منتجا، فإنها تبقى، ومًن تعطل وتراوغ ولا تنتج تُسرح مثلها مثل أخيها الرجل.

فهنالك شيء اسمه المتابعة والمحاسبة من جهات مختصة غير متصلة بالمؤسسة، حتى لا نضع أي فرضية للمؤازرة والمحاباة.

الطرق كثيرة إن كانت هنالك إرادة جدية في معالجة الوضع، وإلا سنبقى في مكانك سر، ولا عزاء للسيدات!

نتقدم بالعزاء لأسرة الفقيدة والهيئة التعليمية وطالباتها في تبوك وجميع أرجاء الوطن، ونسأل الله أن يتغمدها برحمته ويدخلها فسيح جناته، اللهم آمين.