"سورية لمن يدافع عنها، أياً كانت جنسيته".. هذا الكلام لبشار الأسد في الأول من أمس في خطاب وسط تجمّع للمجتمع المدني السوري في دمشق. لا داعي للتساؤل ماذا يعني هذا الكلام من قبل رئيس النظام السوري، لأنه بمنتهى الوضوح قد أسقط الجنسية عن الشعب السوري وأباحها لكل من يحمل السلاح دفاعا عن حكمه. وهنا يتساوى المواطن في دولة الأسد العابرة للجنسيات مع مواطني داعش العابرين للجنسيات. وقد أكد الأسد أن الهوية السورية هي ليست لمن يسكنون سورية أو من يحملون جواز السفر السوري، بل لمن يحمل السلاح ويقاتل دفاعا عن نظامه.

إننا أمام نشوء أمّة جديدة اسمها "أمّة الأسد"، التي لا علاقة لها بسورية العروبة وتاريخها العميق الجذور، والشاهدة على الحضارات القديمة جدا، من روما إلى بيزنطة إلى الخلافة الأموية.. وسورية الحاضرة الكبيرة في تاريخ النهضة الحديثة ومقر الثورة العربية الكبرى و.. و.. و.. كل ذلك لا قيمة له أمام بقاء نظام الأسد، ولا مانع لديه أن يعطي سورية إلى كل من يقاتل الشعب السوري معه.

تنازل الأسد عن المواقع السورية ذات الأهمية الإعلامية بحسب ما قال، أي أنه لا قيمة لمدينة تدمر التاريخية أمام أي تلّة استراتيجية عسكريا. وهذا يدل على أنه يفكر بعقلية المحتل وليس بعقلية الحاكم المؤتمن على استقرار سورية وشعبها، وأنه يعتبر الجنسية حقا لكل من يحمل السلاح دفاعا عن سورية.. أي أن داعش هي دولة سورية، وان كان عناصرها قادمين من كل أصقاع الدنيا لأنهم بحسب قناعتهم يدافعون عن الدولة التي يدعونها في سورية والعراق. وبذلك تكون الأرض السورية مباحة لكل من يحمل السلاح ويستطيع أن يسيطر على مساحة منها، وبذلك فإنه يصبح سوريا بإذن من رئيس الدولة السورية بشار الأسد.

تزامن هذا الكلام مع تسريبات بريطانية ملتبسة، كالعادة، تتحدث عن حصة النظام في سورية وليس عن الحل لكل سورية. وأعتقد أن الأسد فهم الرسالة وأعلن أنه ومن يقاتل معه سيتقاسمون الرقعة التي ستعطى للنظام، وبالذات في الساحل السوري، بالإضافة إلى منحهم الجنسية السورية. وأعتقد أيضا أن إيران وحلفاءها في المنطقة يريدون دمشق الغربية للاحتفاظ بمقام السيدة زينب ابنة الإمام علي، رضي الله عنه.

لهذه الأسباب يريد حزب الله الزبداني، كي يؤمن السيطرة على غرب دمشق، وصولا إلى الساحل السوري ومرورا بالبقاع اللبناني، تاركا الجنوب لإسرائيل والشمال لتركيا والشرق لداعش. عندها سيقدم نفسه محاربا مع التحالف الدولي لداعش، بعد أن تكون دمشق الغربية والزبداني والقلمون قد تمت السيطرة عليها تماما.

إن ما نعرضه هو حقائق الأمور، بصرف النظر عن مدى إمكانية تحققه.. إلا أنني أعتقد أنه مع هذه الإدارة الأميركية لن تكون الأمور على أحسن ما يرام، بل على العكس ستكون الأسوأ، خصوصا أن الانتخابات الرئاسية الأميركية أصبحت على الأبواب، وبدأت ملامحها تتجلى على الأقل لدى الحزب الديموقراطي، إذ إن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون كانت المشرف الأول على هذه السياسة لمدة أربع سنوات، عندما كانت وزيرة للخارجية.. وإن ما تم التوقيع عليه مع إيران هو استكمال لما بدأته هيلاري كلينتون.. وقد كان موقفها واضحا بتأييد الاتفاق الذي جعل من الاعتراض الجمهوري من دون قيمة، إذ إنهم بحاجة إلى أصوات هيلاري الديموقراطية.

إن ما بدأته تركيا على الحدود الشمالية يحتاج إلى وقت طويل كي نستطيع أن نحدد مدى تأثيره على الداخل السوري. وهذا ليس تقليلا من أهمية التدخل التركي، إلا أنه لا يزال في إطار الحسابات الداخلية التركية والضوابط الأميركية. ولا أعتقد أن الأتراك سيذهبون بعيدا، لأن سياسة أوغلو تقوم على نظرية "صفر مشاكل"، والانتخابات الأخيرة في تركيا أعطت إنذارا لسياسة حزب العدالة والتنمية، مما يجعله أكثر حذرا، خصوصا أن قوة العدالة والتنمية جاءت نتيجة السياسات الداخلية الناجحة، والجمهور التركي غير معنيّ في السياسة الخارجية، إن لم نقل بأنه يكرهها لأسباب تاريخية عميقة في الوجدان التركي ولأسباب اقتصادية واضحة..

الأيام القادمة ستكون سورية هي الموضوع الأول، بعد أن حوصرت اليمن بعاصفة الحزم وتحرير عدن والقرار الدولي 2216.. وكذلك العراق فهو تحت القرار الدولي 2170 بمحاربة داعش.. وكلاهما تحت الفصل السابع، أما سورية التي بقيت ساحة مفتوحة بدون ضوابط فإنها ستشهد تطورات دراماتيكية إلى حد أن الأسد قد أسقط الجنسية عن الشعب السوري ومنحها إلى كل من يقاتل معه أياً كانت جنسيته. وبذلك يكون الأسد على خطى داعش..