يكرر القدماء القول، إن من أسباب اشتهار الشاعر اتصاله بالسلطان وذوي الجاه. أما الذين لم يُقدر لهم ذلك، فيقبعون في هامش التاريخ، حتى يقيض الله لشعرهم باحثا يخرجه من عدميته إلى كينونته، وهو ما عمل عليه كثير من الباحثين في العقود الأخيرة.

والآن، أزعم أن من أسباب اشتهار الشاعر: صلاته بوسائل الإعلام، وقدرته على التعامل مع وسائط التواصل الجديدة بذكاء، ونجاحه في إنشاء "شبكة علاقاتية" كبيرة مع: الأدباء والشعراء والنقاد والمسؤولين عن فعاليات الثقافة.

في قرية السلامة، بمحافظة بيش وفي "بدريتها" الشهرية، وفي أثناء تكريم أهلها لشاعر شباب عكاظ: حسن طواشي، والشاعر المميز معبّر النهاري، وردت إلى ذهني أسئلة عدة، ومعلومات عائدة من زوايا الذاكرة البعيدة، وكلها تتعلق بشعراء الظل، أو الشعراء المغمورين الذين يتفوق نتاجهم فنيا على كثير من نتاج بعض الشعراء المعروفين.

في تلك الليلة، استمعنا إلى شعراء ممتازين، لم نعرفهم أو نسمع بهم من قبل، فكل من نعرفهم من شعراء محافظة بيش، هم: حسن أبو علة، ومعبّر النهاري، ومحمد النعمي، والشابان: إبراهيم حلوش، ومهدلي عارجي، وكنت أظن وادي بيش الخصيب أقل إنتاجا للشعراء، من وادي خُلَب، في جنوب جازان الأقصى، ومن شواطئ جازان المدينة أو فرسان الجزيرة أو صبيا وظبيتها، لكن هذا الظن تبدد ونحن نستمع إلى: علي هتان، الشاعر الكفيف الذي يلقبه أصدقاؤه بالبردوني، ويقول قصائد كالماء، وضيف الله عداوي الذي ألقى قصيدتين حرص فيهما على كل لفظة وصورة، وكأنهما حوليّتا عاميه الأخيرين، وعلي حلوش، ذي الملابس التهامية التقليدية، والذي لا يخلو بيت من شعره من صورة معجبة، أو موسيقا مطربة، وعيسى السلامي المتمكّن من أدواته اللغوية والفنية. وكان ممن أتوا من خارج بيش -من غير سبعة من شعراء عسير- خالد البهكلي الذي كان المفاجأة، وفرس الرهان الفني، والهابط من جبال فيفا، وفرحان الفيفي الذي تسير تجربته إلى الأمام بسرعة مذهلة.

لم أعرف خالد البهكلي، والبيشيين الأربعة إلا في تلك الليلة، لأسأل ذاتي: أين الخلل؟ وهل هؤلاء الشعراء هم الجناة على إبداعهم، أم أن حال الإعلام الثقافي والأدبي وحال المؤسسات هما السبب؟

أزعم أن على الشاعر أن يقدم فنه، بعد أن يتوثق من نضج تجربته، ويتأكد من أنها ليست "كلاما" ككل الكلام أو وهما أو عبثا. وفي الوقت ذاته، على المؤسسات الثقافية، والملاحق الأدبية أن تتصيد أمثال هؤلاء؛ لتنشر لهم وتشركهم في فعالياتها، فهم إضافات مهمة إلى مشهدنا الأدبي.

الذين يقولون الشعر ويطورون تجاربهم لإرضاء ذواتهم هم الشعراء؛ لأنهم لا يهدفون من شعرهم إلا أن يُقال عنهم: شعراء، وذلك على النقيض ممن يبحثون عن الانتشار للانتشار وحسب، والفئة الأولى أحق بالاهتمام؛ لأن الفن متجذر في نفوس أفرادها.

قد أعود..