طالب أحد الدعاة في مقابلة تلفزيونية بتجاهل قضايا التحرش الجنسي التي وصفها بالشاذة ونادرة الحدوث في مجتمعنا، إذ يقول ما نصه "من يقرأ صحفنا ومواقع التواصل الاجتماعي التي كتبت عن قضية واقعة التحرش بالفتاتين يظن أن بلدنا يعج بالتحرش، مع أنها حوادث تعد على أصابع اليد الواحدة ولا تكاد تذكر ولا تقارن بأي بلد في العالم"!، وبالتالي فإن قضايا التحرش الجنسي في نظر الشيخ قضايا هامشية ونادرة وشاذة و يجب أن تدفن!
لا أعلم في الحقيقة على أية إحصائية استند الداعية في الحكم على قضايا التحرش والقول: إنها نادرة الحدوث؟، مع العلم أن بعض التقارير الصحفية كشفت عن تسجيل 2.797 قضية تحرش جنسي في سنة واحدة، وهذا العدد في ازدياد في ظل تكتم المجتمع بشكل عام على مثل هذه القضايا.
الجدير بالذكر أن الداعية حاول المقارنة مع الدولة الأخرى التي لديها قوانين ضد التحرش، والقول إن مجتمعنا محافظ يحرص على حجاب المرأة ويمنع الاختلاط، لذا فإن قضايا التحرش أقل بكثير من تلك الدول، وبالطبع فإن هذه المقارنة ليست على أساس علمي، وإنما محاولة وإيحاء لرفض أية مطالبة بأنظمة وقوانين لمكافحة التحرش، ثم إن الدول الغربية تبرز إحصاءات التحرش بشكل علمي دقيق، وتفصح عنها للرأي العام، حتى تتم معالجتها والحد منها، ومن هنا تنشأ الحاجة إلى سن القوانين والأنظمة وليس العكس كما يريد البعض دفنها والتكتم عليها ومعارضة أية مطالبة بقانون أو نظام!
دائما ما يردد الدعاة ورجال الدين في خطبهم وكتاباتهم أن القوانين الغربية والوضعية تخبطت وأخطأت في تعاملها مع "قضية صيانة الأعراض"، فمن ناحية "تفرض قوانين صارمة لمعاقبة الذين يتحرشون جنسيا قد تصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام، ومن ناحية أخرى لا توجد عقوبات للزناة طالما أن فعل الزنا قد تم برضا الطرفين، ولا توجد عقوبات لمن يشيعون الفاحشة في المجتمع من خلال نشرهم للخلاعة والمجون والعري".
ويقولون أيضا "في الغرب نجد أن أهم طرق مكافحة التحرش الجنسي تتمثل في سن القوانين والعقوبات، وإلغاء الفروق بين الجنسين، وإنشاء برامج التوعية التي تعمل على تعديل أنماط السلوك الاجتماعية والثقافية للرجل والمرأة..، وللأسف فإن المجتمعات الإسلامية العربية تبعت المجتمعات الغربية في طريقة تعاملها مع قضية التحرش الجنسي"!.
وليس هذا وحسب، بل إن بعض الدعاة ورجال الدين يرون أن سلوكيات وملابس المرأة، هي التي غالبا ما تكون سبب فتنة الرجال ودفعهم إلى التحرش بها، وبالتالي لا يوجد في القوانين الوضعية ما يمنع مثل هذه السلوكيات، كما لا توجد إشارة إلى دور الالتزام بالسلوك الإسلامي المانع للاختلاط في منع التحرش الجنسي، إضافة إلى طلب إزالة الفوارق بين الرجل والمرأة، وبذلك يتحقق الانفلات الجنسي بالرضا في ظل حماية القانون.
لقد تعودنا من بعض الدعاة ورجال الدين الهجوم الشرس والانفعالي والسعي لطمس إيجابيات القوانين الغربية، وإبراز دعوة الغرب إلى ضرورة حماية المرأة والطفل والضعيف وضمان حقوقهم وكرامتهم؛ على أنها دعوة شيطانية الغاية منها ابتذال المرأة وإشباع الغريزة منها واستخدامها كأداة للهو والتسلية، ولهذا كان تأكيدهم على السفور والتبرج والاختلاط والتحلل من الدين والأخلاق، بينما أكد الإسلام على الحجاب وعدم الخروج من البيت ليضمن لها كرامتها وشرفها وعفتها.
صحيح أن الإسلام حرّم الزنا، ولكن ما زال موجودا في المجتمع، وصحيح أن الإسلام أمر بالحجاب وغض البصر، ولكن ما زال هناك تحرش بالنساء بالرغم من هذه التحذيرات.. فأين هي هذه الوقاية التي يتحدث عنها بعض هؤلاء الدعاة ورجال الدين؟، فعندما يأمر الإسلام المرأة بالحجاب حتى لا تتعرض للإيذاء، فهل معنى ذلك أن المرأة غير المحجبة يسوغ التحرش بها وإيذاؤها؟
لقد نسي هؤلاء أن القرآن الكريم وضع قوانين ضد التحرش الجنسي تتناسب مع ظروف ومشكلات المجتمع في وقت معين، لكن يبقى الهدف الرئيس ثابتا وهو حماية المرأة من التحرش، بينما تتغير الوسائل والآليات بتغير الزمان والمكان.
يقول الله عز وجل في سورة الأحزاب الآية 58: "وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا"، فقد كان هناك رجال في المدينة يطاردون النساء طلبا للفاحشة، وكان هذا يؤذي الناس لذلك جاءت الآيات التالية بضرورة تقيد نساء الرسول صلى الله عليه وسلم، ونساء المسلمين كافة بالالتزام بالحشمة في الملبس؛ تفاديا للإيذاء ولعبث وملاحقة أولئك المتحرشين، يقول الله عز وجل: "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا".
وتأتي الآيات الثلاث التالية في سورة الأحزاب لتشرّع عقوبة لمن يستمر في التحرش وإيذاء النساء، يقول تعالى: "لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلا.. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلا.. سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا".
والتاريخ الإسلامي لم يكتب أن الرسول، عليه الصلاة والسلام، قد نفى أحدا من المدينة أو قتله بسبب تماديه في التحرش بالنساء، وهذا دليل أن المتحرشين أقلعوا عن تصرفاتهم الخبيثة، خوفا من أن تُطبق بحقهم العقوبة المنصوص عليها في الآيات.
فمن الواجب إذًا الأخذ بكل وسيلة لتحقيق هدف حماية المرأة من التحرش، وعلى رأسها الاستفادة من الخبرات البشرية والطرق المجربة والإمكانات التي يوفرها التطور العلمي في المجتمعات المتقدمة، دون الانغلاق على الذات والتراث، ورفض القوانين بحجة أنها بشرية ومستوردة من بلاد الكفر، ولكن يبدو أن بعض رجال الدين والدعاة يخالفون الشريعة الإسلامية في هذه القضية!