(بدوٌ وبحـارةٌ مـا الفـرقُ بينهمـا

والبرُ والبحر ينسابانِ مِـنْ مُضَـرِ؟

خليـجُ إن حـبـالَ الله تربطُـنَـا

فهلْ يقربُنـا خيـطٌ مِـنَ البَشَـرِ؟)

غازي القصيبي

مشهد من فيلم سينمائي يمثل عصور الظلام التي عبرتها أوروبا، بعض الرجال يقودهم أحد المحرضين، يتهم امرأة بريئة بالسحر أو التهتك دون دليل إلا صوته المتهدج باسم العفة وغضبه المتوشح بالدفاع عن القيم أو الدين.. يطلق شرارة غضبه فتشتعل في النفوس وتؤججها وتكبر كرة النار حتى تصل إلى بيت المرأة فتقتلها ظلما.

مشهد واقعي: أطفال يركضون على الأرض وتهبط عليهم براميل تقطعهم أشلاء، وتتعالى ضحكات قاذفي البراميل بعد أن ساد الصمت ما تبقى من أجساد الصغار!

مشهد من مسلسل خليجي: صفعة مدوية على وجه امرأة تنتهي بدمعة ندم!

حوار عنيف بين متحاورين ينتهي بخروج أحدهما وهو غاضب بعد أن يلقي بما أمامه في وجه خصمه!

مشهد من قريب لحلبة مصارعة بين رجلين، وأحد المشاهدين يقسم أنها مزيفة ويخرج غاضبا؛ وعلى حلبة أخرى ثور هائج يحاول تحطيم رجل يلوح له باللون الأحمر..

كل ما سبق مشاهد مخلطة بين الأرض والسماء، كما يختلط الواقع بالخيال، وصور متلاحقة أسرع من حركة أيدينا على جهاز التحكم بالتلفزيون، فما الذي تحمله كل تلك المشاهد السلبية لوعينا من عنف؟

ما حملته يظهر جليا في لغة حوارنا وقدرتنا الرهيبة على التصنيف من سؤال الأصل والفصل لجواب التباهي، لتكتشف أن محدثك لم يخرج بعد من دار الندوة التي خاف أصحابها على أحلامهم "أو يحمل سيف عمرو بن كلثوم؟"

العنف ضد الآخر لم يعد مشهدا متفقا عليه في حلبة مصارعة أو برنامج تلفزيوني شهير، بل أصبح مس شيطان يتخبط بثقافة اليوم، ويسلبنا أجمل ما قدم الشعراء ليقف عند عصا المتنبي تجلد كافورا، وكدر ابن كلثوم الذي أبقاه لغيره!

اللغة عينا العقل اللتان لا تقبلان الحجب، بل ربما تزهر بالحجب حين تتجمل بالاستعارات والكنايات؛ إلا أنها اليوم لم تعد كذلك؛ فبلغ بها العنف أننا نمدح الأجوبة المسكتة البليغة، ونشبهها بطلقة نار تستقر "في منتصف الجبهة"!

أو توصف الجميلة بأنها "صاروخ أو طلقة" أو حتى "مزة" لغة تتأرجح بين القسوة والاستغلال!

العنف اللفظي أيضا يظهر بالمداعبة وادعاء أن فلانا يحتاج لـ"كيّ" أو يوصف بأن كلامه المبدع "تحشيش"!

وقد غابت صيغ التفضيل من لغتنا إلا "أشد وأخطر" التي نصف بها، إلا إخواننا في الدين والوطن والعروبة!

كما غابت لغة الإنصاف للمرأة التي تعاني طول نظر لحجاب المرأة المسلم، الذي يمدح كلما اتجهت شرقا وغربا شمالا وجنوبا باتساع الأرض؛ وقصر نظر له حين يتحرش "أولاد حارتنا" بحجاب بناتها!

اللغة التي تعبر مسامعنا وعيوننا اليوم لغة ملوثة وكأنها لغة شتات وتيه وحيرة.. وعن تأويل الكلام على الوجه الأسوأ وقراءة النوايا فحدث ولا حرج، ولا بأس لو كان هذا عند قلة لا تذكر أو جلاء لا يسع جهلهم مقاصد الآخرين، بل المصيبة أن يصدر سوء الفهم وسوء التهويل عمدا ويكون ما يتم توهمه ضدك حجة عليك لا عليه!

تشكلت لغة اليوم من نفايات إعلامية ولغة شوارع مبتذلة طفت للسطح باسم الثقافة، وارتدت ليصبح وصف طفل بـ"كلب" مثارا للضحك!!

كيف نواجه هذا الواقع المزعج بينما من يبحر في عنصريته مستمتع بها، كما أن العنصري لا يقبل أن يتنازل عن عنصريته وعنفه اللغوي؛ لأنه يميز نفسه به في ظنه الخاص، ولكن (من مأمنه يؤتى الحذر) فقد ترتد سهام التمييز على مطلقها!

أحاول أن أقارب ولا أماس حتى لا أخوض في الجدل الذي أنتقده، لكن دعونا نتوقف ونسأل: من أكثر من تأثر من التمييز اللغوي ضده ولا يزال صامتا لم يتكلم بعد؟

للجواب عن هذا السؤال نستعرض تاريخ الرق المشين على مستوى العالم، والمملوء بالاختطاف والاتجار ببشر أحرار وشحنهم في سفن لأصقاع، وحتى لحظة تحريرهم ولليوم بقيت هذه الفئة تعاني تمييزا لفظيا يوجب سن القوانين لحمايتها منه، بل ويحق لها مقاضاة من أساء إليها تاريخيا وهجرها وعذبها؛ إلا أننا نجد أن الجريمة بحق الأحفاد لا تنتهي فتحصرهم بعض الألفاظ في خانة من التهكم والسخرية والاحتقار وكأن من ينطق بها، ولو على خشبة المسرح، يمارس إنجازا إنسانيا وهو يضحك الناس!

لنستمع لصرخات خافتة ومختلفة عما ألفناه ترتفع في بحر عنصريتنا المتلاطم، وتطالب بالنجاة منه تستحق أن نمد لها الحبال لننجو من الغرق ولا نجابهها؛ كي لا نفاجأ بأعمال مضادة، خاصة أن الاستفزاز بين المراهقين والتصنيف والتهكم يأخذ منحى غير إنساني يصل إلى الإيلام الشديد.

فلنستيقظ قبل أن يصفعنا واقع لا نقدر على مجابهته، وتهبط من السماء علينا براميلنا التي امتلأت بنفايات مشعة بالخذلان.