في الاجتماع الذي عُقد في الدوحة يوم الإثنين (3 أغسطس) بين وزراء مجلس التعاون ووزير الخارجية الأميركي جون كيري ناقش الوزراء مفصلا وبصراحة التداعيات المحتملة للاتفاق النووي الإيراني على أمن المنطقة. فبالإضافة إلى خطر الانتشار النووي إذا لم تلتزم إيران بالاتفاق أو استغلت الثغرات المختلفة فيه، فإن هناك خطر تصعيدها لسياساتها العدائية تجاه دول مجلس التعاون ومحاولة بسط هيمنتها على المنطقة عن طريق وكلائها.

عبّر الوزراء عن قلقهم من التصريحات الصادرة مؤخرا عن كبار المسؤولين الإيرانيين يؤكدون فيها عزم إيران على الاستمرار في تدخلاتها في دول المجلس ودول المنطقة، مبدّدين آمال المتفائلين بأن الاتفاق سيُسهم في تحقيق بعض الاعتدال، فلم يكد يجف حبر الاتفاق النووي بين دول (5+1) وإيران، الذي وُقع عليه في فينا في 14 يوليو، حتى ظهر المرشد الأعلى للثورة الإيرانية بعد ثلاثة أيام مؤكدا استمرار بلاده في تدخلاتها في شؤون المنطقة، مشيرا على وجه الخصوص إلى البحرين واليمن وسورية والعراق وحزب الله.

وحين طاف وزير خارجية إيران جواد ظريف ببعض دول المنطقة الأسبوع الماضي حاول لإقناعها بنوايا إيران السلمية، مبديا اقتناعه بوجود "مصالح مشتركة وتحديات وأخطار مشتركة في المنطقة"، والحاجة إلى توجيه الجهود لمواجهة التحديات المشتركة، مثل الإرهاب. ولكنه أضاف في المؤتمر الصحفي الذي عقده في الكويت في 26 يوليو مؤشرا بعدم نية إيران تغيير سياستها الإقليمية، حين قال "إن ما تحتاجه المنطقة ليس تغييرا في سياسة إيران الخارجية، وإنما في السياسات المعتمدة تجاه طهران"، حسبما نقلته وكالات الأنباء في حينه.

شجعت كلمات المرشد الأعلى مسؤولين آخرين في النظام الإيراني للذهاب بعيدا في الحديث عن نوايا إيران بتوسعة نفوذها في المنطقة عن طريق دعم وكلائها المختلفين، ومن خلال تشكيل ميليشيات طائفية (على نسق ميليشيات الباسيج في إيران) من مقاتلين تم تجنيدهم من العراق وأفغانستان وباكستان وسورية ولبنان واليمن ودول الخليج للقتال في مناطق الصراع. وهذه الميليشيات لا تختلف كثيرا عن "داعش" في توجهاتها الطائفية وأساليبها الدموية.

وإحدى المشاكل الرئيسة في إيران هي تعدد المرجعيات، فهناك الحكومة الرسمية، أي الرئيس حسن روحاني ووزراؤه وسائر حكومته التنفيذية، وهناك بقية مراكز القوى في النظام التي تقع تحت سلطة المرشد الأعلى ولا تأتمر برأي الرئيس، مثل الحرس الثوري الميليشيات شبه العسكرية والمرجعيات الدينية المستقلة وغيرها. وقد عبّر عدد منها عن رفضها الاتفاق النووي وأي تسوية مع الغرب، وهذه المراكز هي التي يُعتقد أنها تدير السياسة الحقيقية لإيران تجاه دول الجوار، وتقدم الدعم لقوى الإرهاب والفتنة في المنطقة.

ففي التحقيقات الأمنية التي تمت في مملكة البحرين وتم نشر بعض نتائجها الشهر الماضي، يظهر بوضوح أن تلك القوى ما زالت تعمل على زعزعة الاستقرار، وتوضح اعترافات المتهمين الطرق التي تعمل بها لتهريب السلاح والمتفجرات وتدريب الإرهابيين على استخدامها، وتحديد الأهداف والمكان والزمان للعمليات الإرهابية. ورأينا في 27 يوليو استشهاد اثنين من رجال الأمن وإصابة خمسة آخرين في جزيرة سترة بالبحرين بتفجير استخدم فيه النوع نفسه من المتفجرات الذي حاول الإرهابيون تهريبه من إيران. وفي 28 يوليو استشهد رجل أمن سعودي في القطيف رميا بالرصاص. وهذه الأحداث استمرار للتصرفات الإيرانية قبل التوقيع على الاتفاق النووي.

ولهذه الأسباب، أعاد مجلس التعاون والولايات المتحدة التأكيد في الدوحة يوم الإثنين لانتقاداتهم السابقة لدعم إيران الإرهاب وأنشطتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، معلنين التزامهم بالعمل معا للتصدي لتدخلات إيران. ومن ذلك يظهر أن الجانبين لا يشاركان المتفائلين الرأي بأن الاتفاق النووي سيكون بالضرورة عاملا إيجابيا في تغيير سياسة إيران الإقليمية نحو الأفضل، أي الالتزام بمبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول المجاورة لها واستقلال قرارها السياسي ووحدة أراضيها.

وبسبب سجل إيران في المنطقة حتى الآن، فإن من الواضح أن الجانبين الخليجي والأميركي لم يبنيا مواقفهما على أي توقعات بأن إيران سوف تغير من سياستها الإقليمية، بل اتفقا على الاستمرار في التصدي المشترك لتلك السياسة بكل الوسائل المتاحة. ومن هنا أعادت الولايات المتحدة في الدوحة التأكيد على التزامها الذي أعلنته في كامب ديفيد بالعمل مع دول مجلس التعاون لمنع وردع أي تهديدات أو عدوان خارجي، وقالت إنها على استعداد للعمل مع دول مجلس التعاون للتصدي لذلك بالطريقة المناسبة وبشكل عاجل "باستخدام جميع الوسائل المتوفرة لدى الجانبين بما في ذلك إمكانية استخدام القوة العسكرية".

والتهديد العسكري بالقوى التقليدية هو واحد فقط من وسائل إيران لبسط نفوذها في المنطقة، والتهديد النووي وسيلة أخرى، ولكن أكثر ما يثير القلق هو التدخل من خلال الوكلاء، مثل حزب الله والنظام السوري والميليشيات الطائفية المختلفة في عدد من دول الجوار، أو من خلال أعمال الإرهاب كما رأينا في أحداث البحرين والمملكة العربية السعودية.

وقد دعا مجلس التعاون إيران مرارا إلى التخلي عن سياساتها العدوانية تجاه دول المجلس والمنطقة، والتعامل على أساس مبادئ حسن الجوار والمشتركات الدينية والثقافية والتاريخية التي تربط جانبي الخليج، وحل النزاعات بالطرق السلمية، بل دعت رئيسها السابق إلى حضور القمة الخليجية في 2007، أعقبتها اجتماعات عدة لحل القضايا العالقة، ولكن أيا من ذلك لم يؤد إلى نتائج تذكر، خاصة بعد بداية أحداث "الربيع العربي" في 2011 التي رأت فيها إيران فرصة لمد نفوذها وتصدير ثورتها إلى المنطقة من خلال إثارة النعرات الطائفية.

وإن غيرت إيران من سياستها وجنحت حقيقة للسلم والتعاون بدل المواجهة والعدوان فإن من المؤكد أن دول المجلس ستجنح لها، ولذلك فإن العبء على إيران لإثبات حسن نواياها ورغبتها الصادقة في مد جسور الصلح.