قدر من رب العالمين - سبحانه وتعالى - أن يتصارعا: الباطل والحق، وقد تكون (للباطل جولة)، (ثم) قطعا، وبمشيئة نافذة من رب العالمين (يضمحل)؛ إن آجلا أو عاجلا، وهذا اليقين لا يشك فيه أي آدمي منّ الله عليه بالبصيرة، بل حتى أمثلتنا العربية خلدت هذا في ثنايا مفرداتها، ومن ذلك: "الحق أبلج والباطل لجلج"، و"جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى قيام الساعة"، و"للحق دولة، وللباطل صولة".

لقد عاشت المملكة من كل أطرافها، بل والخليج كله الخميس الماضي "يوما عسيرا"، جراء الحادث الإرهابي البشع الذي استهدف منسوبي قوات الطوارئ الخاصة في عسير، أثناء أدائهم صلاة الظهر جماعة في مسجد مقر القوات.. جريمة وحشية نكراء، عكست الوجه الأكثر قبحا للجماعات الإرهابية المتطرفة، والتي ستزيد من التصميم على مواجهة الإرهاب ودحره واستئصاله، شريطة تضافرنا جميعا لمواجهة هذه الأعـمال الجبانة، وهـذا الفـكر الضـال الذي لم يـراع للنفـس البشرية، وأماكن العبادة أية حرمة.

قلت وقال غيري، وسأظل أقول إن تشخيص الأزمة الحالية، هو طريق العلاج، فبدون التشخيص الدقيق والمختلف الجوانب، لن نتقدم في العلاج إلا بمقدار ما تحدثه المسكنات لمريض قرر كل الأطباء ضرورة استئصال جزء منه؛ للحفاظ على ما تبقى من جسده، فقد تسكن المسكنات بعض الألم، ولكن حتما لن تقضي عليه أبدا.. فلنفتش عن المختبئين بيننا، الذين برروا يوما هذا العنف، والذين ما زالوا يبررونه؛ هؤلاء هم وقود الدماء التي تسيل هنا وهناك. لقد برروا وما زالوا، معتمدين في ذلك على نصوص تلائم فهمهم العقيم للدين، وتأويلات وكلمات خالية من المنطق السليم، والفهم الدقيق للواقع؛ حتى إنها - وبكل صراحة - زادت من مآسينا وآلامنا بما لم يكن يتمناه عدو لعدوه.. ولنقل إن هذا القتل يقف خلفه جيش من القساة والجفاة؛ الذين تنقصهم ملكة العقل والفهم؛ جيش يحفظ النصوص، ولا يعرف تأويلاتها، وربما لا يعرف إلا تأويلا واحدا لها، وهو التأويل الذي يقدم العنف البغيض على أي جميل في هذه الدنيا.

عودا على ما بدأت به المقال، أؤكد أن المتتبع لكلام رب العالمين - سبحانه وتعالى - لا يعجزه التأكيد على أن الصراع بين الحق والباطل سنة أقام الله عليها دنيانا، فالخير المطلق، كذا الشر المطلق من الأمور المحالة.. آيات القرآن التي ذكرت مفردة (الحق) و(الباطل) كلها تبين حقيقة مسار التاريخ، وأنه مسار معتمد على الصراع بين الحق والباطل، وليس على أساس نظرية الصراع من أجل البقاء - كما قالها تشارلز داروين - ولا صراع الحضارات -كما قالها صاموييل هنتنجتون- "والمهم" الآن ونحن في هذه اللحظات التاريخية المصيرية من حياتنا أن ندفع بأهل الحق على أهل الباطل، كلما وجدنا إلى ذلك سبيلا، وأن نقول بكل وضوح إن أدلة التنظيمات الإرهابية ضعيفة، وبعضها مختلق، ولا يمكن أن تكون قاعدة تشريعية أو شرعية، والاعتماد فقط على ما في كتاب ربنا، وصحيح سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ، "والأهم" مكافحة ومحاسبة (جماعة الكنبة)؛ الصامتين عن قول الحق، الذين يراقبون ما يجري، ويدعمون ما يحدث: إما سرا بأنفسهم، أو علنا عن طريق السذج من أتباعهم، "وأهم المهام" تجفيف منابع من تزيوا بزي العلماء، وهم في الحقيقة جهلاء.