منذ أحداث الدالوة مرورا بالقديح والعنود ومسجد الحسن في الكويت، حتى التفجير الأخير في مسجد للقوات الأمنية في أبها -رحم الله الشهداء في كل هذه الأحداث- وقبلها انخراط عدد كبير من الشباب السعودي في داعش، وقبلها أيضا كافة الأحداث التي حصلت في السعودية منذ أكثر من عشر سنوات، حتى نصل إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر الذي كان مرحلة فاصلة في الحرب على الإرهاب. أقول: منذ كل تلك الأحداث وما زال السؤال الفكري في إنتاج هؤلاء هو نفسه لا إجابة عنه. الأسئلة تتوالى ولا إجابة منذ ذلك الحين، ما الذي جعل أبناءنا وقودا للإرهاب، ولماذا منطقتنا العربية تحديدا من العالم يكثر فيها الإرهاب دون غيرها، ولماذا كان الشباب السعودي من أكثر المتأثرين بالأفكار الإرهابية؟
ما زال العقل السعودي يرد بين حين وآخر أن تلك الأفكار دخيلة على المجتمع رغم اتساع العمليات، وما زلنا نحاول تبرئة الذات في كل عملية تحصل أمام أعيننا، وتصدمنا كل مرة دون أن نطرح أسئلتنا المحرجة، أو نشير بصراحة بأصابع الاتهام إلى المتهمين الحقيقيين.
كثيرا ما يتم الترديد أننا بحاجة إلى بحث عن كل ما له صلة في الأسباب التي قادت إلى ما قادت إليه من تفجيرات في الداخل والخارج، ولكننا لا نحرك ساكنا ومن يحاول فتح هذا الملف بشكل أكثر جرأة، فإنه سوف يتهم بشق الوحدة الوطنية أو الحرب على الإسلام ليبقى الوضع كما هو منذ أكثر من عشر سنوات وحتى الآن!
إن البحث عن الجانب الفكري والجانب التاريخي في كل الآراء المتشددة في حاضرنا وفي ماضينا هو الأهم بعد نجاحات الجانب الأمني دوليا ومحليا، إذ من المؤكد أن الخلفية الفكرية لمنفذي هذه العمليات لم تأت من فراغ؛ بل إن الأصل الفكري هو ما قاد كل هؤلاء إلى تنفيذ عملياتهم في نفس الديار التي تربوا فيها، ونحن إذا أغفلنا هذا الجانب، فإنما نغفل الجانب الأهم في مسيرة هؤلاء ومسيرة مرافقيهم، أو المتعاطفين معهم، ونتجاهل المحرك الديناميكي الذي يجعل أحدهم يعمل على تفجير نفسه من أجل غيره. صحيح أن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية للعالم العربي بشكل عام قد تكون مسببا رئيسا؛ لأنها قد توصل إلى حد اليأس أحيانا، إلا أن هذه الظروف بالطبع ليست العوامل الوحيدة التي قادت إلى أن يقوم هؤلاء بما قاموا به.
إن الخلفية الفكرية لهؤلاء الشباب لها من الجذور التاريخية والاجتماعية والدينية ما لها، إذ ليس من المعقول أبدا أن تحاول أن تجعل من الأرنب وحشا، لكن بإمكانك أن تجعل من الوحش أكثر سلمية من خلال طرق ترويضه، فما تربى عليه هؤلاء ليس ذهنية التسامح، بل هي ذهنية الموت وثقافة الكراهية على مدى سنوات قد تطول وقد تقصر، لكنها في الأخير ثقافة إنهاء وتدمير.
لا يزال الكثير من المحللين لا يستطيعون أن يتحدثوا عن الجانب الفكري في الحفر عن الجذور الفكرية للإرهاب إلا تلميحا وبحدود ضيقة جدا، كونه يطرق أبوابا لو فتحت لأحرجت العقل العربي والإسلامي بأكمله، وهذا ما يجعل التطرق إلى مثل هذه المواضيع خطيرا إلى أبعد الحدود، بل ويدخل أحيانا في دائرة الانتحار المعرفي -إذا صح التعبير-.
إن المعالجة الفكرية التي تضع المبضع على الجرح من دون أن تلتف عليه بلا خوف وبلا مواربة هي ما يمكن العمل عليه بعد المعالجة الأمنية طبعا، ليقود إلى زلزلة كثير من المسلمات المذهبية أو التاريخية في العقل العربي التي أوصلها بعض الناس إلى مرتبة العقائد.
لو أردنا حقيقة أن نعالج هذا الجانب من الناحية الفكرية فلا بد من الحفر أركيولوجيا في الركام التاريخي والمذهبي؛ لنحدد من أين كان مبدأ الخلل سواء في التاريخ القريب الذي يمتد من 30 عاما حتى 200 عام تقريبا في الجزيرة العربية، أو التاريخ البعيد الذي يذهب أعمق في فتح صفحات التاريخ العربي بأكمله. صحيح أنها مهمة صعبة ومحرجة وخطيرة في نفس الوقت؛ لكنها برأيي مفيدة جدا في البحث عن المشكلة الفكرية من وراء تيارات فكرية إسلامية تجعل من الشباب قنابل موقوتة في وجه العالم، وفي وجه بلدانهم وأوطانهم في المنعطف الأخير.
كررنا كثيرا، وكرر غيرنا، على مدى سنوات، أن المعالجة الأمنية فيما مضى كافية نسبيا في الحد من امتداد العمليات الإرهابية والقضاء على كثير من الخطط التي كان ممكن لها أن تنفذ في حال لم يكن هذا التكثيف الأمني والمتابعة الحثيثة خلف عناصر الإرهاب الدولي والمحلي، لكن حتى المعالجة الفكرية وهي الأهم ليست كافية مطلقا في الحد من الامتداد الإرهابي بدليل أن العديد من القوائم قد ظهرت لتعيد المواجهة الأمنية إلى مرحلة المرابطة مرة ومرة. وما لم تكن هناك معالجة فكرية تطال كثيرا من القضايا، فإننا لا نتوقع إلا العديد من العمليات الأخرى التي سوف تظهر أو على الأقل وجود الآلاف من المتعاطفين مع الفكر الإرهابي. والمناصحة الوعظية غير كافية -في رأيي- لأنها تنتهج في أسلوبها الطريقة التقليدية والوعظية في حين أن القضية تحتاج إلى جدل عقلي وفكري تاريخي يدخل في عمق النسيج الفكري لدى الفكر المتطرف في الأصل.
بما أن الظاهرة الإرهابية هي ظاهرة فكرية قبل أن تتحول إلى ظاهرة حركية مسلحة تعتمد في كثير من مفرداتها على المجال السياسي/ الديني في أكثر مجالاتنا الدينية والسياسية منها فإنه، برأيي أيضا، من هنا يمكن أن نجعل المقاربة الجدلية في الطرح الفكري لمعالجة الظاهرة الإرهابية؛ ذلك أن معالجة الشأن الديني كخطاب فكري مُسيّس في بعض جوانبه التي تصل أحيانا إلى المفردة اليومية في التعامل الحياتي البسيط هي مكمن التحدي هنا.
لا يكفينا كسعوديين أن نبرئ فكرنا الديني من تهمة الإرهاب كون الإرهاب الدولي من خلال الحركات الإسلامية يعتمد على بعض مفردات خطابنا الديني، فكان من الواجب أن نعمل على إيجاد آلية جديدة في التعامل الديني مع الآخر بتجديد الخطاب الديني تجديدا يأخذ بمقتضيات الواقع والمقاصد الشرعية الكبرى.
إننا أمام تحديات حقيقية فإن لم نستطع التعامل مع العصر بمنطقه أصبحنا في حال من التخلف الديني والحضاري يقودنا إلى إعادة صناعة الإرهاب في عقول شبابنا، ولنبتعد عن اتهام الآخرين كما نفعل بعد كل عملية، بل يجب الذهاب إلى اتهام فكرنا قبل غيرنا حتى ولو كان غيرنا له يد في ذلك.