في ظروف صعبة يتهافت فيها البلاء، لا يمكننا التفكير في شيء سوى البحث عن مخرج، ومسلسل الأحداث الذي طال المصلين في ركعة صلاتهم الرابعة، أيقظ الجدل من جديد، ونكأ الجراح التي لما تشف بعد، وإن كان تركيزنا في البحث عن الخروج من هذا المأزق، فيجب أن ندرك قبل ذلك أن تعاملنا مع الحاضر يعني التعامل مع المخرجات (التعليم، خطاب الدين، التنمية والبطالة..إلخ)، لأنه لو كان عدونا من غير أبنائنا لكان الأمر مختلفا.

لن ينقذنا شيوخ التطرف من هذه القضية؛ لأنهم من أوقعنا فيها وهم آخر القادرين على إيجاد الحلول لها، واعتدالهم لا يجدي في حل الأزمات الأخلاقية، فهم لا يقدمون التسامح بأخلاقياته، بل هم مجبرون على تحمل أحقادهم ضد الآخر؛ ليظهروا لنا متسامحين وهذه بحد ذاتها إهانة، ولن نذهب بعيداً.. كل ما علينا هو البحث في آرائهم ومنطلقاتهم الفكرية، فيما هم يمنون علينا صلاحهم الظاهري فقد كانوا يبررون به الجريمة، ثم انقلب السحر على الساحر، لكن البلاء يعم ولا يخص، حيث لم يستنكر هؤلاء الجريمة إلا حينما أخذت في الاقتطاع من راحتهم ومن أمنهم، فوجدوا في الاعتدال المؤقت حلا للخروج من الورطة، ومن ثم التسابق على تسجيل الحضور في كل مشهد ومناسبة اجتماعية، ولكن بفرض الرأي واللغة والمواقف نفسها، لا يخجلون حتى لو انقلبوا على مبادئهم أو ناقضوا أنفسهم، بل إن المضحك في رميهم لبلائهم على كل من يعتنق فكرا متحررا من فقههم الإجرامي، اتهموا أحرار الفكر ودعاة التنوير بكل ما أحدثوه من خراب في واقعنا وعقول شبابنا، رغم أنه لا يوجد شاهد واحد يحتسب ضد التيار المتفوق عليهم عطفا وإنسانية، والذين يلعنون تفوقه وأولويته ويقصون المنتمين إليه ويحاربونهم، حتى في أصعب المواقف وأقساها هم لا يفكرون إلا في أنفسهم، أخذتهم العزة بالإثم.

لم يعرف البشر في اختلاف أشكالهم وألسنتهم وعقائدهم كتابا ولا مرجعا مثل كتاب الله، وجميع الأديان السماوية أجمعت على أن البشر إخوة، وهذا الذي لا يعترفون به؛ لأنهم فلاسفة في الكراهية، بل إنهم المنتجون لها بفخر التطرّف الديني، ومنتجاتهم انقلبت على مجتمعاتنا بوحشية، بعد أن نبذوا جماليات الحياة وحرموها ما استطاعوا واستأصلوها من قلوب الناس، فلا يبنون في البشر شيئا سوى العنف والكره، ولا يبحث المتورط في أدبياتهم إلا عن طريقة للخلاص تنتظره من ورائها حورية وكأس خمر!

لن تجدي أسلمة الإصلاح في هذه المرحلة.. بالله عليكم ماذا ستصنع بِنَا محاضرة أو ندوة أو برنامج عن الغلاة في الدين، هل سيقول صناع التطرّف: "على رواد فقه الجريمة أن يخففوا الحدية في تصرفاتهم التي يفعلونها بدافع الكراهية التي علمناهم إياها" حين استحبوا أن تحوم الكراهية حولهم لا عليهم، بينما العاقل يدرك أن للنهضة شروطا، وأولها الإيمان بحرية الناس في اعتقاداتهم وحقوقهم فضلا على أن الاعتراف بذلك شجاعة مدنية؛ لأن الله منح الخلق تلك الحرية قبل أن ينتهكها المرضى والاضطهاديون، والمصلحة التي نناقشها اليوم ليست مصلحة أنفسنا أو مصالحهم، لكنها مصلحة الوطن وأمن الناس، وهي المصلحة التي تعلو على كل شيء.