ما قبل البارحة، يقول لي زميلي بالجامعة بخليط من المزح والجد: أفضل ما يمكن أن تفرزه حوادث الإرهاب هو ذلك الجدل والنقاش الذي قد يقودنا إلى وعي مجتمعي بخطورة الظاهرة وتحليل الأسباب. قلت له مباشرة: أنا في قلب هذا الجدل منذ القنبلة الأولى في قلب الغالية الرياض قبل عقد من الزمن حتى تفجير أبها الأخير، لكن الحقيقة الحمراء الصارخة أنه ذات الجدل والنقاش، حذو الكلمة بالكلمة، منذ ليلة تفجير "المحيا" حتى ظهر تفجير "طوارئ عسير". "لا جديد يذكر ولا قديم فيُعاد". هي نفسها عناوين الصحف وتحقيقاتها وتغطياتها وآراء كتابها مع تغيير طفيف في التواريخ وأسماء المنفذين والضحايا، وهنا أم الكوارث أن العقل لم يستوعب التجربة. أقمنا من بعدها ندوات الحوار الوطني ولجان المناصحة ومناشط الجامعات والمدارس، وهب طلبة العلم الراسخ للتحذير، لكن شيئاً من كل هذا الجهد الهائل لم يثمر عن شيء يستحق الذكر. كان عُمر "يوسف السليمان" ليلة أول تفجير في الرياض ثمان سنوات: في الثانية الابتدائية وهذا أكبر دليل على أن المصنع لا زال يعمل بنفس كفاءته.

دعونا اليوم نستثمر التجربة، علنا وعلى المكشوف، بأن نأخذ "يوسف السليمان" حالة مختبرية ثم نطلع المجتمع على كل التفاصيل في رحلته من طفولة سكاكا إلى مسجد أبها. دعونا ندرس بعمق في حياته كل ما يلي: ظروف نشأته. أحوال أسرته. حواضن تأهيله من الكتاب إلى الحزام الناسف. كل سيرة المعلمين الذين دخلوا فصول دراسته. نوعية المناشط والمعسكرات التي كان يذهب إليها. منظمو حفلات الاستقبال التي أقيمت احتفاء به بعد 45 يوما من السجن. عوالمه الإلكترونية التي نقرؤها بعد هلاكه مردوفة بصور من كانوا حوله. تأثير هؤلاء عليه. دعونا نكشف على الملأ أجوبة والده المكلوم الحزين "وله مني كامل التعزية": متى فقد يوسف وفي أي مرحلة من عمره وتحت سقف أي فصل دراسي؟دعوه يذكر لنا متى شعر للمرة الأولى أن ولده بدأ رحلة التحول وتحت أي ظرف. دعوه يقول لنا بوضوح متى شعر لأول مرة أن ولده يتعرض لتغذية فكرية: مِمّن؟ وعلى يد من وتحت أي سقف أو داخل خيمة أو رحلة أو معسكر؟ دعوه يكشف لنا شبهة الكتب والأسماء والرحلات كي ينقذ لنا بسرد كل تفاصيل التفاصيل في تجربته آلاف الأسر التي لا زالت تشكو وتشك في أن أولادها اليوم تحت "القولبة" في قلب المصنع. وعوداً على البدء: نحن نتجادل في نقاش صاخب لكننا لم نجرب أبدا أن نكشف على الملأ حالة مختبرية واحدة قد تقودنا إلى جذر الأسباب التي يعمل بها هذا المصنع.