لاحظت بطء استجابة طفلي الذي لم يبلغ الثالثة من العمر، هناك ما هو غير طبيعي في سلوكه، لا يتفاعل مع النداء ولا يلتفت للتوجيهات، حتى أني لا أعرف ما إذا كان يشعر بوجودي حين أخاطبه، فطريقته في التواصل البصري معي لا توحي بهذا، بل بات يبدو لي وكأنه عاجز عن النطق. اعتراني القلق تجاه ذلك، فحسمت أمري وانطلقت به إلى أحد المتخصصين بعد أن اجتهدت في الاستشارة والسؤال.
كان هناك احتمال بأن ما يمر به ابني هو ضرب من التوحّد أو طيف من أطيافه. تلقّينا سؤال المعالج عن الطريقة التي يمضي بها طفلنا يومه فأخبرناه بالساعات الطويلة التي يقضيها أمام شاشة التلفاز، محدّقاً في العروض التي تعرضها بعض قنوات الأطفال، وكيف كنا ننظر إلى هذا الأمر بارتياح كونه قادراً على تهدئة طفلنا وإبقائه في حالة من السكينة. خرجنا ببعض التوصيات من المعالج مثل التركيز على التواصل الجسدي مع الطفل وتكثيف التحاور معه ومساعدته على استخدام بعض الألعاب المنشطة للمدارك العقلية، ولكن أهمّ التوصيات وأشدها صرامة كان إبعاد الطفل تماما عن شاشة التلفاز، وعدم السماح له بالنظر إليها قبل استعادة حالته الطبيعية بشكل كامل. لم يكن الأمر مطمئنا بالنسبة لنا، ولكنا اضطررنا رغم ذلك إلى الالتزام بكافة التوصيات العلاجية وعلى رأسها تجنب التلفاز بطبيعة الحال. عملت زوجتي بجلادة على تكثيف ساعات اللعب والتخاطب مع طفلنا. كان تفاؤلنا يزداد مع كل تحسّن نلمسه عليه، وكم كان الأمر مبهجا عندما بدأ بالنطق ومحاكاة الأصوات، فضلا عن التجاوب مع مخاطبتنا له بعد مرور شهرين من بداية برنامجه العلاجي.
ما سبق هو قصة رواها لي أحد الأصدقاء عن تجربته مع طفله الذي كاد يفقد بعض قدراته الذهنية واللغوية بسبب الجهل بخطر شاشة التلفاز على البنية الدماغية للأطفال، وهو ما تأكّدت منه تماما بعد اطلاعي على عدة تقارير طبية توجه الاتهام بوضوح إلى ذلك الجهاز، وتحمله المسؤولية عن تراجع القدرات التواصلية لدى كثير من الأطفال في السنوات الأخيرة، كما لا تستبعد لعبه دورا ما في ارتفاع نسبة حالات التوحد التي تصل عالميا في بعض الإحصائيات إلى حالة توحد في كل مئة طفل، ومن المؤسف أن هذه النسبة مرشحة للارتفاع كما تشير التوقعات.
جمعني حوار مع الدكتور عبد القادر العلوني، أخصائي الأطفال في مستشفى الهيئة الملكية بمدينة ينبع الصناعية، تناول فيه عدة نقاط حول هذا الموضوع، منها أن الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال تحذر بشكل صريح من مشاهدة الطفل -الذي لم يبلغ العامين- التلفاز وغيره من الأجهزة الإلكترونية. ومنها أن اختلاف الأبعاد التي يراها الطفل في الشاشة عن الأبعاد الواقعية قد تتسبب في إرباك القدرة الإدراكية للدماغ، ولكن أخطر ما يحدثه التلفاز هو إبقاء الدماغ في حالة منخفضة من النشاط، وفي وضع ينعدم فيه تفعيل الكثير من قدراته؛ مما يعرضها بالتالي إلى الضمور والتلف أحيانا نتيجة بقائها في حالة (عدم الاستخدام).
كان الطفل في الماضي محظوظا في أغلب البيئات، حيث كان حظه من التواصل مع الطبيعة والبشر (من البالغين أو من الأقران) أعلى بكثير من الحظ الذي يتيحه له الشكل الانعزالي الذي آلت إليه أغلب الأسر اليوم. فعلى الرغم من الأهمية البالغة لتعرّض الطفل للتواصل اللغوي والحركي في سنواته الثلاث الأولى، إلا أن الكثير من الآباء يهملون ذلك ولا يلتفتون إليه، ملقين بعهدة تشكيل أدمغة أطفالهم الطريّة إلى جهازٍ غير مؤتمن بشهادة العلماء والأطباء، فضلا عن شهادة المجربين أمثال صديقي الذي استهللت بقصته هذا المقال.
مما يضاعف خطورة هذا الأمر الانتشار الذي حققه نوع من قنوات الأطفال يحتوي على الكليبات الغنائية التي تعتمد على الانتقال السريع من مشهد إلى آخر. فليس من المتوقع من البنية الدماغية لطفل دون الثلاث سنوات مجاراة هذه السرعة أو التعاطي معها، بل المتوقع هو بقاء قدراته الذهنية في حالة من التنحي رغم تحديق الطفل الطويل في تلك الكليبات. هذا مشابه (بشكل ما) لتنحي الأقدام وتوقفها عن مجاراة بدالات الدراجة أثناء دورانها السريع كما يحدث حال هبوطها من المنحدرات على سبيل المثال.
الوضع مقلق في الحقيقة ولا يحتمل المزيد من التهاون؛ فهناك المزيد من الأطفال المعرضين لهذا الخطر كل يوم. وعلى الرغم من ذلك فإنّي أحسب التوعية به ما زالت دون المستوى المطلوب، كما أحسب أن هناك الكثير من الآباء الذين لا يزالون غير مقدرين للعواقب المفزعة التي يؤدي إليها شراؤهم تجنب صخب صغارهم، بواسطة إبقائهم على حالة سلبية من التحديق في شاشة غير مؤتمنة.