ومساء البارحة، وتعقيباً على مقالي بالأمس حول المهنية المطلوبة للإعلام والإعلامي في تناول الأحداث والقضايا، سعدت باتصال مدير تحرير صحيفة سعودية يناقشني حول القصة المفتعلة لمبنى الطالبات بجامعة جازان وهو في المجمل يشير لما يلي: أن صحيفته التي نشرت حادثة المبنى في اليوم الأول لم تتردد مطلقاً في نشر التوضيح النهائي حينما انكشف عدم صحة الخبر الأول وهو يرى بالعكس أن صحيفته بادرت بنشر الحقيقة الأخيرة على الصفحة الأولى متضمناً عودة آلاف الطالبات في اليوم الثاني من الدوام وبظنه أن ذاك يكفي اعتذاراً من الطرفين: من الجامعة أو من القراء الذين ذهبوا ضحية الاستعجال على نشر قصة صحفية لم تكن صحيحة. ويذهب الزميل إلى أن كل الإعلام الذي ناقش القصة كان ضحية المعلومة المغلوطة أو الغائبة وهو يقول هذا بالحرف: المغلوطة لأن كل الإعلام اعتمد على تصريح الناطق باسم الدفاع المدني الذي اتضح أنه لم يبنِ رؤيته على أي معيار علمي، أو الغائبة لأن الجامعة لم تبادر فوراً بنشر تقارير المكاتب الهندسية. ومن وجهة نظري فإن شح المعلومة أو انعدامها لا يشفعان للإعلام بالبراءة ومهنة (الإعلامي) الحقيقية أن لا يبني تحقيقاته على المتاح بل أن يبحث بنفسه أو ينتظر لأن هذه (القصة) مثال قد سحبت تحت ردائها عدداً من الكتاب في صحف مختلفة ثم بنوا آراءهم على العناوين لا على الحقائق والنتائج، ومن الخطأ بمكان أن يتحول الكاتب إلى مجرد مطارد للعناوين، فماذا سيقولون لقرائهم إذا كانت ذات الصحف التي يكتبون فيها هي من أوائل الذين صححوا الأخبار أو اعتذروا بالضمن؟ ونحن لا نتحدث اليوم عن قصة تتأرجح بين النفي والإثبات، بل عن بناية ضخمة على الشارع العام مفتوحة لآلاف الطالبات ولكل إعلامي يريد أن يتعلم درساً عن بناء قصة كاذبة. كيف تحول صوت أجهزة بيد عامل يشتغل على سقف المبنى إلى دوي إسقاط لمبنى، ثم تتبارى الصحف في العناوين ويتبارى الكتاب في توزيع تهم الفساد، وكيف سيقف هؤلاء أمام قرائهم غداً ثقة ومصداقية؟ وهل تكفي هذه الصحف أو تكتفي أنها نشرت الحقائق في فترة لاحقة. وحتى بعد الاعتذار والتصحيح هل يدرك هؤلاء أن القارئ دوماً في العرف الإعلامي هو ضحية الخبر الأول وطبيعة العنوان الأول وأنه دائماً ما يهرب من ملاحقة التفاصيل اللاحقة في القصة الخبرية. الصحف والكتاب أول من يعلم أن لدينا ضعفاً في الملاحقة القانونية، ولهذا ينشرون كل متاح من عناوين الإثارة، وفي كل تاريخنا الإعلامي لم يجبر النظام مطبوعة على الاعتذار ولم يحاسب كاتباً على اتكائه على معلومة غير صحيحة. بالعكس يعاتبه لأنه كشف المعلومة الصحيحة.