امرأة لا يعرفها أحد، ولم يدون اسمها في اللافتات الملونة ولا علي أغلفة المجلات المكتنزة بنجوم الفضاء والاحتشاد المستهلك والزائف، امرأة من سلالة طين هذا الوطن الباسق والأرض المشكاة، هي واحدة من التواقات لأداء رسالتها في غفلة من الأضواء وحدقات المصابيح، ألقت للآخر طيلسانها المضمخ بالعطر والياسمين، وانسلت بين أسراب البشر دون أن يعرفها أي كائن، مخلفة بروق سريرتها وشال فجرها رغم بساطة فعلتها، ولكنها كانت مفازات فرح وخزائن حنطة، يقول الدكتور محمد الجويلي الأنثربولوجي التونسي، ومدير مركز الحوار العربي الأوروبي سابقا، والأستاذ في جامعة الملك سعود لتدريس الثقافات المقارنة في كتابه (من الحطب إلي الذهب)، كما ألمحت لذلك مجلة (الثقافة الشعبية) والذي أهداه إلي سيدة سعودية: (نحن لا نعرف لك اسما، ما نعرفه عنك فقط هو أنك سعودية، في البدء كانت حكاية، لم يمض علي حلولي بالرياض أنا وعائلتي الصغيرة إلا بضعة أيام، كان ذلك في سبتمبر 2010 قصدت وزوجتي وطفلانا متجر "اليورمارشيه" لقضاء بعض الحاجات الضرورية، ولم يكن يدر بخلدنا أن طفلنا الذي لم يتجاوز الخمس سنوات من العمر والذي كان يستعد للدخول في سنة دراسية بإحدى مدارس الرياض، كان مشغولا بأدواته المدرسية أكثر من انشغالي ووالدته بتوفير القوت له ولشقيقته! سحب طفلنا في غفلة منا محفظة جميلة أي "حقيبة" وتبعنا انتبهت والدته للأمر وكنت أمامها فقالت له: "لم يحن الوقت بعد للدراسة سنشتريها لك لاحقا"، وأخذتها منه فأثار ذلك حسرة شديدة في نفسه، لقد تبين أن ثمنها يفوق ما أخذناه معنا من الأموال، عندما هممنا بالخروج من السوق ظلت عينا الطفل وقلبه مشدودة إلي الخلف إلي الحقيبة التي تركها وراءه مكرها أخاك لا بطل، لقد تبين أن ثمة سيدة سعودية كانت تصطف وراءنا تراقب المشهد عن كثب، أومأت إلي ابننا خفية فقصدها يحث الخطي، التفتنا إلي الوراء فرأيناه يجر الحقيبة ذاتها وراءه ما أثار استنكارنا ودهشتنا، أمرناه بأن يرجع الحقيبة إلي مكانها تراجع الصبي إلي الوراء واقترب من هذه السيدة وأومأ بيده إليها، لقد فهمنا في تلك اللحظة أنها اقتنتها له، ذهبت زوجتي إلي المرأة لتشكرها فقالت لها: "هي هدية مني يتذكرني بها ويتذكر السعودية والسعوديين عندما يكبر ويتفوق في دراسته"، ثم انصرفت بعد أن تمنت لنا إقامة طيبة في الرياض بين أهلنا وذوينا، سيدتي كانت هديتك أول حقيبة يحملها ابننا إلي المدرسة، وهو لا يزال يذكرك بها، وهديتك ما زلنا نحافظ عليها كقطعة ثمينة في بيتنا، إليك هذا الكتاب ومن خلالك نهديه إلي كل النساء السعوديات أمهات وجدات من اللواتي مازلن يحافظن علي تقليد سنته أمهاتنا وجداتنا عبر العصور أن يكن دائما وأبدا ينبوعا لا ينضب من المحبة والعطاء).