عندما يطُرح سؤال حول الثقافة ومفهومها، وماذا تعني كلمة مثُقف يتبادر إلى ذهنك تعريف الثقافة العامة سريعا، وهو الأخذ من كل فن بطرف، ولم يَدرْ في خلد الذي يبحثُ عن الإجابة أن من تتَّبع مفهوم الثقافة المجتمعية بأنها تصل إلى أكثر من 120 تعريفاً حسب آخر إحصائية خرجت في القواميس التي تهتم بالشأن الثقافي. لكنني عبر هذا المقال أنشد الثقافة بمفهومها العام الذي لا تحده أُطر أو معرفيات أو قواميس؛ وإنما أريد الوصول بالشمولية العامة إلى كل من يريد أن يتزود بالثقافة وهو قد همش دور القراءة إلا ما نَدر، فهل نُخرج ثقافة الجيل عبر شمُولية التقنية إلى ميدان أرحب ليكون الجيل اليوم كله مثقفا محترفا للثقافة التي يهتم بها؟

الثقافة اليوم لَيست حكرا على الأندية الأدبية وأروقة الجامعات وكراسي المعرفة، وحمل الكتب والمطالعة والقراءة فحسب، وهذا بلا شك أمر يُحمدُ لفاعله وللمنتسبين والآخذين به مهما كانت درجة الإفادة، ولكنها تتسّع إلى مفهوم أشمل، فما يستطيع الشباب اقتناءه اليوم عبر وسائل التواصل ومُعرفات الإنترنت والاطلاع على الكتب والمجلات، وأحوال العالم في دائرة الثقافة ويطال هذا الأمر كل من حمل جهازاً تقنياً حاول من خلاله نقل المعرفة أو قراءة كتاب أو تصفح معلومات متبادلة، كل ذلكم يدخل في إطار مفهوم الثقافة العامة الحقيقية التي أحرص على أن تدخل في مفاهيم الثقافة، ولو أن مستوياتها مختلفة في درجة الفهم وصياغة المعلومة، لكنها تؤكد لنا جميعاً أنها ثقافة.. الثقافة اليوم ليست منتديات تعقد هنا أو هناك، أو في عاصمة عربية أو محفل دولي. لقد أصبحت اليوم الثقافة محمولة عبر الكف وفي متناول جيل اليوم الناشئ على التقنية والمعلومات التي تصدرها شبكة الإنترنت أو غيرها من مصادر المعلومات التي حملتها ثقافة العصر بكافة أنواعها.

إن لدى جيل اليوم أشمل معلومة حول ما يحصل في أقاصي الدنيا، ولا يمكن لمن يحمل في ذاكرته قصيدة المتبني أو البحتري أو كليهما أن يقال له إنه ليس مثقفاً بل هو مُتبحرٌ في الثقافة التخصصية فيما الآخر في ثقافة الجيل المعاصر، ولقد أسهمت وسائل الإعلام اليوم في فتح قنوات متخصصة لتقديم المعلومة الثقافية السَّريعة على شكل ملفات أو برامج مختصرة يستطيع شباب اليوم أن يتبارى بها مع أعتى رجال البلاغة والفكر، لكنها في مجال يحبذه الشباب ويصعب علينا ألا نُصنفهم مثقفين مهما كانت مصادر ووسائط حصولهم عليها. حيث تعلم الشاب الثقافة العربية وحاز على التفوق مثلاً في معرفة تقاليد الشعوب في الغرب من خلال ما تلقاه عبر الشبكات التواصلية الحديثة؛ ولهذا فهو مثقف ذو معلومة يعجزُ بعض رجال العِلم أن يحُيطَ بها رغم أنه من رموز الثقافة في الوطن العربي.

وهنا يجوز لنا أن نخرج بمسمى الثقافة إلى ميدان أرحب من تعريفات الكتب وأمهات اللغة، إلى جيل يدرك أن ثقافته تحيط بمعرفة أحوال العالم وطبائعه وحضاراته من خلال هوسه بمعرفة الإنترنت. إنه إذا أراد الدخول إلى معرفة كتاب في مكتبة جامعة (هارفارد) فهو بلا شك سيحصل عليه خلال ثوان وبتلخيص يغني عن الانكباب على الكتاب لأشهر أو لسنوات. أريد أن أصل بالقارئ اليوم إلى ألا يحجر واسعاً في تعريف الثقافة أمام الآخرين أو في المجالس العامة والمنتديات، فإن جيل اليوم أصحاب خطوة في هذه النعمة التي جاءت بها تقنية العصر، وأصبحوا على دراية بما ينفع وما يفيد، ولعل سوق عكاظ الآن، أو معرض الكتاب الذي سيقام في جدة قريباً خير شاهد؛ على أن أكثر المرتادين هم الشباب ومن شباب الشبكات المعلوماتية. وأغلبهم يدرك قيمة الكتاب وإن كان عبر جهازه المحمول، وبالمناسبة فإن دور النشر أصبحت تتسابق لتحويل الكتاب الورقي إلى كتاب إلكتروني تصف كلماته عبر الشبكة المعلوماتية والأقراص. وهي بهذا تحقق هدفين أولهما سهولة حمل الكتاب، وثانيهما حفظ السطور عبر هذه الأجهزة من التمزق والضياع وبذات الوقت تكون في متناول القراء بمن فيهم جيل اليوم. وهنا تكون الثقافة أشمل من ذي قبل.