كتبت في هذا المكان أكثر من مرة عن انعدام مساهمات البنوك المجتمعية بالمستوى المطلوب الذي يتناسب مع حجم مكاسبها وحجم قوتها الاقتصادية، وحجم استفادتها من الوطن.
وكان آخر ما كتبت في 24 أكتوبر 2014.. لم نر مستشفى شيده بنك، أو مدرسة، أو جامعة حتى مع تفاقم مشكلة القبول في الجامعات قبل أن يصل عدد الجامعات في الوطن إلى ثلاثين جامعة.. شيء عجيب وغريب أن يُسكت على عدم مشاركة البنوك في حل مشكلات الوطن المتفاقمة في التوظيف والزواج والمخدرات والتعليم والصحة، كل تلك المشكلات على كاهل الحكومة، والبنوك بالذات التي تصل أرباحها إلى عشرات المليارات لم تسهم بالشكل المطلوب..
هنا أقترح أن تُدرس مشكلات المدن الصغيرة والمحافظات على كل المستويات: مشكلات الزواج المتعلقة بعنوسة الشباب والشابات ومشكلة المخدرات والتعليم، وأن يكون هناك لجنة أو رابطة لا مشاحة في التسمية تجمع البنوك في كل محافظة وبرئاسة الإمارة في كل مدينة تسهم كل فروع البنوك في تلك المدن بحل المشكلات التي قلت إنها درست وعرفت، وتحدد مبالغ توضع في صندوق مساهمة البنوك لتزويج الشباب والشابات والتدريب وحل مشكلة المخدرات، وأهم من ذلك عمل مدارس للتعليم المبكر الذي نفتقده في بلادنا والتعليم العام، وإنشاء كليات مهنية في تلك المدن يصرف عليها من صندوق فروع تلك البنوك.
من غير المعقول أن تعمل تلك الفروع في تلك المدن ومكاسبها من أولئك المواطنين ثم لا تحل مشكلاتهم، ولا تقدم لهم خدمات تتمثل في مساهمات مجتمعية.. وسألنا كثيرا ونعيد السؤال الآن: أين الإسهامات المجتمعية لبنوكنا؟ هل تعرفون مدرسة أو جامعة أو مستشفى أسسته بنوكنا في وطننا الذي تجني أرباحها منه؟ بعبارات أخرى، من منا في الوطن لم يسهم في نسبة الأرباح التي تجنيها البنوك؟ الإجابة عن تلك الأسئلة الكبيرة غاية في السهولة: لا مساهمة مجتمعية تذكر للبنوك على مستوى المواطن بشكل مباشر، البنوك وفق مراكزها المالية التي تنشرها بصفة دورية تجني عشرات المليارات كل عام، وتستفيد من الوطن والمواطنين بأشكال مختلفة، والبنوك فضل الوطن عليها كبير، لكن ماذا قدمت البنوك للوطن من خدمات مجتمعية الوطن في أمس الحاجة إليها؟
نعرف أن الوطن يحتاج مدارس، واحتياجه مثلا لمدارس ما قبل التعليم الابتدائي أشد حاجة، والوطن يحتاج إلى جامعات، فإلى وقت قريب وبعض أبنائنا يتوسلون مقاعد في الجامعات ولا يجدونها، وأيضا الوطن في أمس الحاجة إلى مستشفيات، فقد يبقى المريض أياما دون حصوله على سرير، والدولة هي من تقوم بكل تلك الخدمات إلا إذا استثنينا بعض رجال الأعمال القلة المخلصين الذين أسسوا مدارس وجامعات، ومستشفيات.
لو اجتمعت فروع البنوك في كل مدينة وأسست مدرسة وبعض الكليات التي يحتاج إليها سوق العمل لدينا ومستشفى، لما أثر ذلك على مداخيلها العالية جدا، لكن إذا لم تبادر البنوك في المساهمة فلماذا السكوت عليها؟
تنتشر البنوك في طول البلاد وعرضها وتتاجر بودائع المواطنين؛ تستثمرها وتقرضهم بأشكال مختلفة وبنسبة ربح عالية وتودع مكاسبها في خزائنها، لا نفهم أن يعاني الوطن من ندرة المدارس الخاصة المتميزة وندرة الكليات المتميزة التي تسهم بفاعلية وكفاءة عالية في سوق العمل وقلة المستشفيات، والبنوك مستمرة في أنانيتها باحتكارها لأرباحها لنفسها.
أقترح أيضا أن تقوم مؤسسة النقد بتبني أمر مساهمة البنوك في كل مدينة في برنامج متكامل تدرس فيه المشكلات وتشكل لجنة من إمارة المدينة ومديري فروع البنوك وبعض وجهاء المدينة وخبرائها لدراسة المشكلات والإشراف على تبرعات البنوك وصرفها..
الوطن يعاني من خدمات صحية وتعليمية والبنوك مدللة.. لا بد أن تستشعر البنوك مسؤوليتها تجاه الوطن ومشكلاته، الشواهد التي نريد أن نراها على أرض الواقع يجب أن تتمثل في المساهمة في حل مشكلات المجتمع، وعدم ترك الدولة وحدها تتصدى لتلك المشكلات، وحل تلك المشكلات في إنشاء مدارس وكليات ومستشفيات..
إذا تمت هذه المساهمة من البنوك سيترتب عليها المساهمة في حل مشكلة معقدة أخرى وهي البطالة.. هذه المدارس والكليات والمستشفيات ستوظف نسبة لا بأس بها من العاطلين كنتيجة طبيعية للقاعدة الاقتصادية المعروفة: مزيد من الأعمال يؤدي إلى مزيد من التوظيف.. مساهمة البنوك في المشاكل الثلاث الرئيسة، التعليم والصحة والبطالة، ستسهم في حل تلك المشكلات، خصوصا أن قوة البنوك المالية ستجعل من المدارس والكليات والمستشفيات التي تؤسسها ذات مستويات عالية، ولن تقتصر مساهمة البنوك على التأسيس فقط، بل وعلى النوعية، ومن هنا تأتي الأهمية القصوى لمساهمتها.
يجب ألا ننتظر طويلا مساهمات البنوك في المجتمع، خبراء الاقتصاد يقولون: إذا قوي المجتمع قويت مؤسساته المالية، بمعنى أن المثل الذي يقول: "أمطري أنّى شئت فخراجك آتيني".. ينطبق هنا على البنوك إن هي أسهمت في هذه المجالات، إذا أسهمت البنوك في تعليم وصحة المواطن ارتفع دخله وبالتالي ارتفعت أرصدة البنوك واستفادت بشكل أكبر.
كلنا نعرف أن البنوك مقصرة، ويجب ألا يستمر هذا التقصير..
أخيرا، من غير المعقول أن تستفيد البنوك من المجتمع في مكاسبها العالية جدا ولا تفيده.. تنشأ في المدن الصغيرة لجان تأخذ مساهمات البنوك وتصرفها على حل مشكلات تلك المدن التي سبق دراستها بعناية من قبل فرق متخصصة..البنوك قادرة على تأسيس مؤسسات تعليمية وصحية عالية المستوى لا يعود نفعها على المجتمع في تعليمه وصحته فقط، بل سيسهم أيضا كنتيجة طبيعية في خفض نسبة البطالة، وهذه أمور تعرفها البنوك أكثر من أي جهة أخرى.. البنوك لن تستجيب.. لكن هل ستفرض عليها مؤسسة النقد فعل الاستجابة؟