ربما تأرجح قرار الأمير خالد الفيصل بتعريب كافة أسماء المعارض التجارية والقاعات والشوارع واستبعاد الأسماء الأجنبية من منطقة مكة المكرمة؛ بين الترحيب به وبين مصادرة الحرية، والانفتاح على الآخر وبين المصفقين له في قاعات الثقافة، امتدادا إلى المبتهجين أكثر خارج تلك القاعات من عاشقي لغة الضاد.
قراءة القرار تصب في مجالات عدة تتمثل في إيجاد بيئة ثقافية اجتماعية متأصلة لتحقيق موقف ثقافي لوطننا بكل أطرافه وتحديداً في منطقة مكة المكرمة يتناسب مع مكانتها كمهبط الوحي والعربية الفصحى وقبلة ما يزيدعلى المليار ونصف المليار مسلم.
وكي لا تكون القراءة جزئية فالقرار لم يكن ارتجالياً، فالفيصل جسّد رؤيةً وحساً غيوراً على لغة الضاد تعهده سنين على عدة ملفات ومشاريع قائمة تتجه نحو تأصيل اللغة بدءاً من إصدار قرارات بجميع المخاطبات في الدوائر الرسمية باللغة العربية الفصحى، وتفعيل برامج مدرسية لاتتحدث إلا العربية الفصحى في منطقة عسير إبّان إمارته مروراً بمؤسسة الملك فيصل للبحوث والدراسات، وجائزة الملك فيصل العالمية، ومؤسسة الفكر العربي في دورتها وبرامجها وبحوثها " لننهض بلغتنا" وليس انتهاءً بسوق عكاظ، وهذا القرار يتوج هذه الإنجازات تأصيلاً للغة والهوية.
ومن أبعاد القرار داعماً تربوياً لترسيخ الوعي الثقافي اللغوي لدى النشء مشاركةً في أزمة الثقة التي يحياها العديد من الشباب والناشئة تجاه لغتنا تُعكس فيه ظلالاً أخرى في زمن يصبحون ويمسون فيه على أسماء أجنبية فضائياً وتقنياً ومعلوماتياً، لاسيما اعتباراً في تجسيدهم بعدم صلاحية لغتنا كمفاهيم ومصطلحات إلا لمواضيع تمس الدين والأدب والتاريخ، وبنفي لعلاقتها بكلّ ما يتعلق بمجالات الحياة العصرية، فالطفل الصغير يتعلم اللغة حسب نظرية تشومسكي عن طريق (الاكتشاف والتعميم)، وترسيخ الهوية لديه يجعل من الّلغة غذاءً لهذا النتاج، تغنيه وتقرّبه من جميع ميادين التفاعل اللغوي والاجتماعي وتساعده على تطبيق الالتزام بلغته رغم التأثيرات الخارجية إلا أن مستوى الصمود بالاعتداد والاعتزاز مهم للغاية في هذه المرحلة العمرية.
أما تجارياً فمن المسلمات مدى انتشار الشركات العالمية وهذه حقوقها الملكية، لكن المشكلة تكمن تحديداً في الشركات والمعارض التجارية المحلية، فلماذا تضع اسما تجارياً أجنبياً؟ وهل هي لغة الحضارة (المتفوقة) تسويقاً تحت عنوانها؟ أم إعجاباً لامسه كثير من تجارنا باستثمار وضع مسميات تعكس المثير لكسب ثقةً أكبر لدى المجتمع وأنها ذات رقي وهذا دلالة نقص وعدم ثقة فيما تقدمه كمنتج.
فلماذا تكون لغتنا مهزومة في عقر دارها؟ وهي مليئة بالأسماء الجذابة التي تستوعب حضوراً جميلاً، فاسم معرض تجاري ليس شعاراً فحسب، بل دلالة ثقافية تحقق انغماساً في الهوية، والتمسك بجزئيات اللغة ومشاركتها في حياتنا على المستوى الاجتماعي تحصين ثقافي ومظهر أساسي من مظاهر احترام الهوية، وإيماناً بالحرية في أطرنا أولاً، فلا يمكن أن يكون احترام لغتنا شوفينية أو غروراً أو تعدياً على الحريات!
إن الدول لاترقى إلا بارتقاء لغتها، فالحضارات والشعوب تعتز بلغتها، ولا تقبل أن تذوب في غيرها، ولنا في الأنموذج اللغوي اليهودي رغم فكرته تأسيساً لقيام دولة إسرائيل، انتقلت فيه العبرية خلال خمسين عاماً من لغة دينية بحتة إلى لغة علمية في كل المراحل العلمية والعلوم، فرسخت اللغة "ولا حياة لأمة دون لغة"، كما قال المفكّر اليهودي إليعازر بن يهودا، والآخر الأنموذج الفرنسي حين أحس بأن الفرنسية تعاني تهديداً بالتقهقر عالمياً بسبب اللغة الإنجليزية انتشارا، فقاموا بإنشاء دراسات ومشاريع استراتيجية لتأصيل الفرنسية تضمن جزء منها إقرار نظام منع الكتابة على لوحات الشوارع والمحلات التجارية بأي لغة أخرى غير الفرنسية كجزء من الحل.
القضية باختصار أن لغتنا من أغنى اللغات لم ولن تهزم - فقد تكفل بها الله عز وجل وبحفظها في كتابه- ولكن الحقيقة نحن من يهزم أنفسنا فقط فازدريناها وتهكمنا عليها عبر كل الحجج، ومن المفارقات أنه في حين نُعرّض لغتنا وحرفها للتهكم والازدراء فإن بعض الدول غير العربية تحترمها وترسخها، فماليزيا بها الآن أكثر من عشرين مدرسة تقر تدريس اللغة العربية في فصولها، وتركيا أقرت قبل أشهر تدريس اللغة العربية في المرحلة الثانوية وبعضنا يتساءل لماذا نعرب أسماء محلات تجارية فقط؟!
بقي أن أشكر الأمير خالد الفيصل بقراراته المنثورة عطاءً دافقاً لوطننا ولغتنا وهويتنا، مقترحاً على سموه بتوجيه إدارات التربية والتعليم في منطقة مكة المكرمة تنسيقاً مع أمانات المناطق بمشروع تربوي لغوي بتصحيح الأخطاء الإملائية الموجودة على لوحات المعارض التجارية في منطقة مكة المكرمة من قبل الطلاب أنفسهم اقتداء بتجربة أحد معلمي جدة عام 2002م والذي قوبل حينها بدعم من مدير عام التربية والتعليم بمحافظة جدة الحالي عبدالله الثقفي، فقد قام المعلم مع طلابه في الصف الثالث ابتدائي برحلة علمية حيث سار بهم الباص على مهل في شارع التحلية، وقاموا فيه برصد الأخطاء الإملائية الشائعة المنتشرة أسفاً لدى عدد من خطاطي المدينة الذين لا يجيدون اللغة العربية!
ولعل بمثل هذه التجربة والقرارات تتحقق الجهود التكاملية ليمارس طلابنا ما تعلموه تطبيقاً عبر التجربة والتفاعل المباشر لتأصيل أجيال تستوعب لغتنا وتعتز بها.