فتح سوق عكاظ خلال تسعة أعوام مضت ملف المسرح السعودي، من خلال حضور المسرح كنشاط رئيس فيه، ورغم أن هناك من قال: أعطني مسرحا أعطك شعبا عظيما، وعلى الرغم من ضرورة وأهمية المسرح في الارتقاء الثقافي والمجتمعي، إلا أن المسرح السعودي مع الأسف لا يزال مسرح مناسبات رغم الجهود في بعض المناطق، من خلال فروع جمعيات الثقافة والفنون، غير أن "حالة" الغياب التي أدت بدورها إلى غياب الفرصة والبيئة الخاصة بالمسرح، يجب أن يعاد النظر فيها، فلا وجود حقيقيا للشعوب من دون وجود مسرح، يمثلون فيه أنفسهم ووجودهم في هذه الحياة، لكن فن المسرح لا ينمو في الثقافات غير الحوارية؛ لأنه قائم أساسا على الحوار وتعدد الأصوات، فغياب الحوار كمبدأ في ثقافتنا أثر سلبا في الفنون المسرحية المعتمدة الحوار والاختلاف والتعددية.

وعلى الرغم من البدايات المبكرة للمسرح السعودي التي تعود إلى حوالي عام 1932 من خلال النصّ الشعري الممسرح الذي أعده الشاعر حسين عبدالله سراج، إلا أن المسرح المدرسي والجامعي كان ذا تأثير على أجيال فنية متعددة، ويعد الشيخ صالح بن صالح مؤسسا للمسرح المدرسي السعودي بعد مشاهدته عرضا مسرحيا مدرسيا في البحرين، فنقل ابن صالح هذه الفكرة إلى مدينته عنيزة، ويقال إن الملك عبدالعزيز -رحمه الله- حضر عرضها أثناء زيارته لمنطقة القصيم. 

وفي نهاية الستينات شهدت العاصمة السعودية الرياض أول عرض مسرحي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- حين كان أميرا لمنطقة الرياض، وكان العرض المسرحي عن نصّ مترجم بعنوان "ثمن الحرية" أخرجه المخرج العراقي محسن العزّاوي، ومثّل فيها دور البطولة الممثل السعودي المعروف عبدالعزيز الحماد.

وفي عام 1974 طبعت أول بطاقة لحضور مسرحية سعودية وهي "طبيب بالمشعاب" لإبراهيم الحمدان المقتبسة عن موليير، ثم شهدت فترة الثمانينات الميلادية زخما مسرحيا محليا في مختلف المناطق، وشهدت هذه الفترة العرض المسرحي النسائي الأول في السعودية من خلال مسرحية "مونوكوليا"، ونتيجة لزخم "الصحوة" وأثرها السلبي على المجتمع السعودي انحسر النشاط المسرحي منذ نهاية الثمانينات الميلادية، بدءا بغياب المسرح المدرسي والجامعي.

اليوم، وبعد أكثر من ثمانية عقود على بدء المسرح السعودي نلحظ غيابه المفاجئ، مع بقاء بعض الأنشطة التي لا ترقى إلى المنافسة العربية والعالمية إلا فيما ندر وبجهود أشبه بالفردية. يوجد اليوم في المملكة آلاف القاعات المسرحية التي تقف شاهدة على غياب المسرح السعودي مع شديد الأسف، من خلال غياب مجمل الفنون، حيث لم يصبح المسرح حتى الآن جزءا من المؤسسة التربوية نظرا لغيابه الأكاديمي، حيث نجد أن المسرح يدرّس بشكل نظري في المقررات في بعض التخصصات الأدبية في الجامعات، في ظل عدم وجود تطبيقات لها، وبالتالي غياب الفنون الإبداعية كتأسيس مجتمعي، لا سيما في ظل موجة هائلة من التطرف الديني نعيش وطأتها منذ أكثر من عقد، مما يعني أن حالة النكوص الثقافي تسهم في خلق البيئة البديلة عن الفنون وهي التطرف!

إن ضعف الأثر الداخلي للمسرح تبعه غياب المشاركة السعودية الخارجية، والحل لاستعادة هذا الفن بسيط جدا يتمثل في دعم جمعيات الثقافة والفنون من جهة، ودعم وجود المسرح التطوعي عبر مؤسسات المجتمع المدني من جهة أخرى، ليشجع الأمر وجود المسرح التجاري، للأطفال والكبار ومسرح الدمى؛ ولأن الثقافة استثمار يمكن للجمهور السعودي أن يدفع ثمن فرجته المسرحية ومتعته البصرية، ولهذا من غير المنطقي أن يستمر غياب المسرح في جوانب ويحضر بشكل لافت موسميا في مناسبات محددة، مما يكرس الغربة المسرحية التي هي جزء أزمتنا الثقافية منذ الانطلاقة الأولى للمسرح السعودي.

غياب المسرح ينبئ عن مشكلة اجتماعية ثقافية تتصدرها الأيديولوجيا الرافضة قطعا للفنون باعتبارها من المحرمات، على الرغم من أن المسرح هو وسيلة لطرح كثير من القضايا التي تؤرق المجتمع، مما يفتح مجالا واسعا لمناقشتها ومعالجتها، ولهذا فإن صناعة المتعة والاستثمار الثقافي تتم من خلال هذا المسرح الحاضر الغائب.