انتهى مهرجان الاتفاق النووي الإيراني الذي حاولت إيران من خلاله تقديم الاتفاق كانتصار لدبلوماسيتها، وكان من الواضح تقديم وزير خارجية إيران على أنه أحد الوجوه المستقبلية الإيرانية، وأن الاتفاق تم نتيجة مهارات "ظريف" الشخصية، وهذا الأمر كان محل تساؤل لدى المراقبين الدوليين والإقليميين، لم تتأخر الإجابة عن ذلك التساؤل وبدت واضحة من خلال مهمة ظريف الجديدة التي بدأها في المنطقة العربية عبر دبلوماسية ملتبسة وربما أصعب بكثير من التفاوض النووي وهي سياسة "الجار قبل الدار".

يجمع المتابعون والخبراء بأن مهمة ظريف مع الخمسة زائد واحد حول الملف النووي، والتي استمرت ما يقارب السنتين، هي أهون بكثير من مهمته مع الجوار العربي حكومات وشعوبا؛ لأن ما قامت به إيران في السنوات الماضية وتحديدا منذ احتلال أميركا للعراق بدعم من إيران، وما شهدته المنطقة العربية من اختراقات وفوضى وانقسامات بين أبناء البلد الواحد أو الدين الواحد أو المذهب الواحد، مما جعلهم جميعا في مواجهة بعضهم بعضا من العراق بكل مكوناته الوطنية، وصولا إلى لبنان والمنظمات الفلسطينية، إلى البحرين إلى مصر والمغرب، وآخر مآثر إيران ما حدث في اليمن ولا يزال.

بدأ ظريف مهمته الدبلوماسية من العراق والتقى الحكومة العراقية، وأيضا التقى المرجع الشيعي السيستاني وبعض الشخصيات السياسية العراقية، وفي اليوم التالي لمغادرة ظريف للعراق تم تعيين ممثل لولي الفقيه بالنجف وللمرة الأولى منذ 36 عاما، وفي اليوم التالي أيضا بدأت المظاهرات في العراق والتي تتحدث عن الفساد وشملت 11 محافظة وبعضها هتف "إيران برا برا"، وتطورت التظاهرات وكانت نتائجها سريعة، وذلك بتشكيل لجنة تحقيق ومغادرة المالكي إلى طهران قبل ساعات من اتهامه مع آخرين من حزب الدعوة بالفساد والتسبب بسقوط الموصل، يعني فسادا وفشلا وربما خيانة.

زار ظريف بعض دول الخليج وتحدث عن رغبة إيران في فتح صفحة جديدة؛ محاولا تصوير الاتفاق النووي على أنه ليس موجها ضد العرب، وأن إيران راغبة في التعاون لتقديم حلول لبعض أزمات المنطقة وبالتحديد في سورية واليمن.. لم يجد ظريف الحد الأدنى من الثقة بين إيران وجوارها القريب، وأن الهوة عميقة جدا جدا نتيجة السياسات الإيرانية على مدى سنوات طويلة. غادر ظريف الخليج وبعد أيام تم توقيف سفن محملة بالأسلحة إلى البحرين، وأيضا في اليوم التالي اكتُشفت الخلية الإرهابية في الكويت، وكلا الأمرين من صناعة الجار الإيراني وبالتحديد الحرس الإيراني.

مهد ظريف لزيارته إلى كل من  لبنان وسورية بمقال صحفي اعتبر رسالة موجهة إلى جمهور وخصوم إيران في لبنان، والذي تحدث فيه عن الجار قبل الدار، وعن ضرورة الاستقرار وحل الأزمات، مستفيدا من نتائج زيارته إلى دول الخليج، وما أدركه من عمق الآثار السيئة للسياسة الإيرانية، فبدأ مقالته بتحديد دقيق عندما أكد أنه يمثل سياسة جديدة في إيران، إذ قال: "بدأنا مع انتخاب الرئيس روحاني قبل سنتين سياسة جديدة.."  أي أن "ظريف" يعلن أنه لا علاقة له بسياسات أحمدي نجاد والحرس الإيراني.. إن هذه المقالة الرسالة كانت أوضح تحديد لواقع إيران بعد الاتفاق النووي والالتزامات التي قدمتها إيران للمجتمع الدولي في كل موضوعات المنطقة التي تلقى اعتراضا من قبل الحرس الإيراني.

كانت زيارة الوزير الإيراني إلى لبنان تشبه زياراته لدول الخليج، إذ لم يلق من حلفائه رغبة في السير بسياسته؛ لأنهم دفعوا كثيرا في سياسة إيران أحمدي نجاد والحرس، وتورطوا في نزاع مسلح داخلي وخارجي، وخسروا استقرار أهلهم وأبنائهم وأوطانهم، وليس من السهل عليهم اعتبار كل تلك التضحيات أنها كانت مجرد أدوات تفاوضية لمصلحة إيران، والأمر عينه وجده ظريف في دمشق لدى الأسد الذي يرفض أن يصبح ورقة للتفاوض عليها؛ لأنه كان يعد نفسه شريكا لإيران في مغانمها وانتصاراتها، فوجد نفسه أداة من أدواتها، وفي اليوم التالي لمغادرة ظريف لبنان وسورية ارتفع منسوب العنف إلى أعلى درجة منذ أشهر، وارتكب النظام السوري وحليفه الحرس الإيراني وحزب الله أبشع المجازر في دوما والزبداني وفي الشمال السوري؛ مما يشير إلى رفض لسياسات ظريف.

إن هذه المحطات إضافة إلى ما يحدث داخل إيران من توقيف صحف للمحافظين واعتراضات علنية لسياسات روحاني ظريف رغم التهليل للاتفاق النووي من كل الأطراف، إن كل ذلك يقول بأن إيران دخلت مرحلة جديدة حقيقية بعد الاتفاق النووي، وهو أنه لدى البعض في إيران طموح في أن تقود المنطقة سياسيا واقتصاديا بعد أن انتزعت الاعتراف باعتبارها قوة عسكرية، وهي الآن تريد الحد من التدخل عبر الميليشيات والخلايا الإرهابية، وفي أن تستخدم الهيبة النووية كما تفعل الدول الكبرى التي تملك التفوق العسكري النوعي، وذلك يستدعي أن تتخلص من أدواتها القديمة، ومن الطبيعي أن يحدث نزاع بين الأدوات القديمة المتمثلة في الحرس الثوري وحزب الله والحشد الشعبي والحوثيين وبعض الفلسطينيين والعديد من الجماعات العربية المذهبية أو السياسية، وبين أدوات روحاني ظريف الجديدة. أصبح من الواضح الآن وجود صراع في إيران داخل أبناء الصف الواحد أي المحافظين. وإننا سنشهد في المرحلة المقبلة مواجهة بين إيران وإيران.