الثقافة القنفذية هي الثقافة كثيرة الأشواك التي تشبه حيوان القنفذ في تركيبتها الجسدية وقريبة تصرفات أصحابها من تصرفاته في فعله وردة فعله. وأكثر ما يشابه القنفذ في تركيبته وتصرفاته من الثقافات هي الثقافة المحافظة جدا؛ حيث يعيش معتنقوها طوال أعمارهم محافظين على ثقافتهم، برغم تغير الأزمنة ومن حولهم من الشعوب والأمم. والذي يجعلهم يتقنفذون حول ثقافتهم كونهم يؤمنون بأن زوال عاداتهم وتقاليدهم ومفاهيمهم التقليدية الموروثة للحياة، بمثابة زوال لهم؛ ولو كان العكس هو الصحيح.

وبعكس أصحاب الثقافة القنفذية، يوجد أصحاب ثقافة الانفتاح وحب التغيير والتقدم. حيث ثقافة الانفتاح هي دوما متغيرة ومتجددة؛ ويعتقد من يعتنقونها بأن عدم تطورهم وتقدمهم السريع، قبل غيرهم؛ نذير شؤم بالنسبة لهم؛ حيث يرونه إيذانا بزوال قوتهم ورفاهيتهم ومنعتهم. ولذلك هم دوما منفتحون على كل جديد وسباقون للأخذ به والتمكن منه، قبل غيرهم؛ والاحتفاظ به لأنفسهم، قدر المستطاع. التسويق للانفتاح جزء من الانفتاح نفسه بالنسبة لأهل ثقافة الانفتاح، أو هو مفتاح الانفتاح لهم. وعليه يعتبرون الوقوف ضد الانفتاح وقوفا ضد مصالحهم؛ خاصة أن للانفتاح أدواته وآلياته، التي ينتجونها وتستهلكها الأسواق العالمية.

الصراع، وخاصة الصراع الثقافي، الذي عادة ما يحدث بين أصحاب ثقافات الانفتاح وبين أصحاب الثقافات القنفذية والذي من الممكن أن يتحول من صراع ثقافي لخصام دبلوماسي قد يتطور لنزاع سياسي، ومنه قد يتفجر لخصومات وحروب. كما أن الحروب بين أصحاب الثقافات القنفذية أنفسهم أكثر قابلية لأن تندلع بينهم، حيث عادة ما تتحول حروبهم إلى حروب شرسة طاحنة لا تبقي ولا تذر.

ودوما ما يكون أصحاب الثقافة القنفذية يمينيين وعنصريين، ومتعصبين إما قوميا أو دينيا، ويؤمنون بوعيهم ولا وعيهم بأنهم شعب اختاره الله لهداية البشر كل البشر ورعايتهم. ودوما كذلك يقود أصحاب هذه الثقافات فرد أو أفراد أو جماعات، تؤمن بأن الله اختارها واصطفاها من دون كل العالمين؛ ليقوموا بمهمة قيادة شعبهم للأمل الموعود. فيعادون غيرهم ويحطون من قيمتهم وينابذونهم الخصومة والعداء والبغضاء، سواء منهم من داخل ثقافتهم أو منهم من هو من خارجها. من الأمثلة الحية لأصحاب الثقافات القنفذية، الألمان خلال العهد النازي؛ وكذلك الطليان في العهد الفاشي. نظام صدام حسين، وللأسف الشديد، عاش الثقافة القنفذية نفسها وتبناها؛ وكانت سببا لنهايته ونهاية العراق الكارثية؛ كما كانت النهايات الكارثية للنظامين النازي في ألمانيا والفاشي في إيطاليا، حيث كانت تسيطر الثقافة القنفذية على تلك الأنظمة وتديرها وتتحكم بها. لكون من يتقمصون ثقافاتها القنفذية دوما يشكون في هذا ويخافون من ذاك؛ فيعلنون عداوتهم لهذا وحربهم على ذاك؛ حتى يقتنع العالم ومن يحيط بهم بأنهم خطر على الأمن الإقليمي أو حتى العالمي؛ فيشن عليهم حروبا تنهيهم، بلا رحمة ولا هوادة.

أصحاب الثقافة القنفذية المحافظة، خاصة اليمينية منها، يكونون دوما خائفين ممن هم حولهم، أو حتى ممن هم بعيدون عنهم، ناهيك عمن هم وسط محيطهم. ولذلك فهم دوما يلهثون لحماية أنفسهم بالأشواك التي تحيط بثقافتهم، ويكشرون بها للدفاع عن أنفسهم وإخافة خصومهم وأعدائهم بها، حتى الوهميين منهم، مِمن يماثلونهم في الدين والقومية؛ لكونهم دوما يقدمون أنفسهم على أنهم الممثل الصحيح والوحيد لدينها وقوميتهم والمدافعين عنها؛ وما عداهم، ممكن أن يمثلوا خطرا لكونهم مندسين على الدين والقومية ومرتبطين بأعداء الدين والأمة، أو هكذا من كيل التهم الجاهزة، في لاوعيهم المريض، بداء "القنفذ". فداء القنفذ من الصعب التخلي عنه، أو الفكاك منه؛ فهو مثل أي مرض نفسي؛ عندما يمهل له، بدون علاج، يفتك بالنفس فتكا لا فكاك ولا براء منه؛ حتى يجهز على صاحبه.

أصحاب الثقافة القنفذية يتوهمون الأعداء ثم يبدؤون يوجهون أشواكهم إليهم؛ فيحاول العدو الوهمي تطمينهم بالتقرب منهم، فيزداد خوفهم منه، ويعتبرون هذا نوعا من الحيل الخبيثة، وبعد أن يعجز العدو الوهمي عن إيصال مبادرات تطميناته لهم تأتي ردة فعله؛ كردة فعل طبيعية للدفاع عن النفس، فيصرحون بتذمرهم من اتهامات أصحاب الثقافة القنفذية لهم؛ وعليه يتأكد لدى أصحاب الثقافة القنفذية وهم عداوة الآخر التي كانوا يتهمونه بها. وهذا يؤكد لهم صحة ما توهموه، مما يزيدهم ثقة بصحة أوهامهم، فيزيدون بتوجيه أشواكهم تجاه الآخر؛ الذي يجد نفسه مضطرا لإبراز آليات دفاعه الذاتية؛ ولو بعد صبر وتأن، وإعطاء الفرصة بعد الفرصة.

وكردة فعل من ذوي الثقافات القنفذية؛ على تأكد وهمهم، واعتباره واقعا قائما، يثبته الواقع والتاريخ؛ حيث يتم اختزال التاريخ بحادثة عرضية أو حادثتين؛ لا معنى لهما. وبذلك يتم توجيه أشواك ثقافتهم وبكثافة واستمرار، نحو من يتوهمون بأنه سينقض عليهم؛ وعليه يخلقون لديهم وحولهم جوا من العداء لكل ما هو غيرهم؛ وحتى ولو كان قريبا منهم، مما يشيع مناخا من العداء والتأزمات بينهم وبين من هم حولهم؛ حينها، تبدأ بوادر النزاعات والحرب بينهم وبين غيرهم؛ تؤكد لهم ما توهموه، فيزداد تقنفذهم على أنفسهم وتوجيه أشواكهم على غيرهم؛ حيث تؤكد لهم ما توهموه، فيزداد تقنفذهم على أنفسهم وتوجيه أشواكهم على غيرهم.

أصحاب الثقافة القنفذية لا يقبلون بحلفاء أو أصدقاء، وإنما يقبلون فقط بتابعين خانعين لهم؛ من الذين يربطون دوما مصالحهم بهم، وعليه يلهثون خلفهم تصفيقا وتكبيرا. فإن هم وقفوا، وقفوا، وإن هم تحركوا، تحركوا؛ وإن هم اندفعوا طلبوا منهم الاندفاع أمامهم. ولا تجتمع مثل هذه المواصفات إلا عند الفاسدين، غير الأكفاء؛ الذين يتقلبون ذات اليمين وذات اليسار، يبيعون ولاءاتهم حسب من يدفع لهم أكثر. كما أن خصوم وأعداء أصحاب الثقافة القنفذية ليسوا بحاجة لأن يحيكوا المؤامرات ضدهم؛ فهم يكفونهم عناء ذلك؛ حيث كثرة تحركاتهم الاحترازية المبالغ فيها تغضب منهم حتى أصدقائهم والمخلصين لهم. وهكذا يتم سحب أرجلهم إلى ما يريده خصومهم، وهم يحسبون بأنهم يحسنون بذلك صنعا؛ وكما قيل، الجاهل عدو نفسه.

نهاية أصحاب الثقافة القنفذية تبدأ عندما يستشعرون الخطر الحقيقي، الذي هم خلقوه لأنفسهم، سواء وعوا ذلك أم لم يعوا؛ حيث تبدأ ترتعد فرائصهم من الخوف، وهنا يتصرفون كالقنفذ عندما يداهمه خطر ماثل أمامه. يدخلون رؤوسهم داخل أجسادهم، ويبرزون أشواكهم، لإخافة عدوهم المنتظر هجومه عليهم. العدو أو الخصم، ينظر إليهم من كل جانب؛ فيفعل مثل ما يفعل النسر بالقنفذ الذي أخفى رأسه داخل جسده وتقنفذ حوله وأبرز أشواكه. ثم يقترب منه النسر بكل هدوء وثقة ويحمله بمخالبه عاليا؛ حتى يشاهد صخرة ملساء، فيلقيه عليها من مسافة عالية. فيصدم جسد القنفذ بالصخرة، وينخلع جلده بأشواكه عن جسده الطري، الذي يتدحرج عاريا بعيدا عن الجلد والأشواك؛ ثم يدنو النسر منه ويلتهمه لقمة سائغة.

إذاً فكما الأشواك ليست بالضرورة تحمي القنفذ؛ كذلك فأشواك أصحاب الثقافة القنفذية لن تحميهم أو تجدي معهم نفعا كذلك. ولو راهنت على ذلك؛ كما راهن وما زال يراهن القنفذ نفسه، بأن أشواكه ستحميه وتعصمه من أعدائه أو خصومه؛ ثم يذهب لقمة سائغة لأقرب نسر أو نسور جائعة.