ولولا أنني أعدت قراءة "إشراقة" الأخ الغالي العزيز، هاشم عبده هاشم، ثلاث مرات متتالية لظننت أنه كتب مقترحه لحلول الإسكان من باب الدعابة والطرفة. أخي هاشم، كتب في إشراقته جملا رائعة "مموسقة" لولا أنه وبكل صراحة سقط في "الكوبليه" الأخير وهو يقول بالحرف الواحد: (ثم إن هناك أسرا تعودت على الحياة في "بيوت من الشعر" وعلينا أن نوفر لها مساكن قريبة من طبيعة حياتها ولا داعي بالدفع بها إلى الفلل التي لم تتعود عليها تلك الأسر البسيطة الفقيرة).
هنا مكامن العتب على شخص بقامة واحد من أبرز خمسة أسماء في تاريخ الصحافة السعودية: الأول، وهو أهونها وأيسرها أن أخي هاشم كتب مقاله بالضبط في منتصف "آب اللهاب" وأنا متأكد تماماً أنه كان يصف حروف ذلك المقترح الصادم تحت تبريد المكيف المركزي في جوف مدينة سجلت رقما قياسيا ولأول مرة، في درجة الحرارة. أنا شبه متأكد أن أخي هاشم، لم يمر يوما على "شاقة الليث" و"حفار" و"عين قحطان" كي يشاهد بعينيه مخاض الأم التي تدفع بوليدها إلى الدقيقة الأولى من الحياة على رمل ساخن يبلغ 55 درجة مئوية.
العتب الثاني: أن الزميل العزيز، هاشم عبده هاشم، كان عضوا بمجلس الشورى لدورتين متتاليتين، وهنا تكمن قمة العتب على مقامه لأنه لا زال يظن أن بيننا من يسكن خيام الصوف بمحض إرادته في وطن صرف حتى اللحظة ما يناهز مئتي تريليون ريال على مشاريع التنمية. وكل ما أخشاه أن يقرأ بعض أعضاء مجلس الشورى الموقر مقال "عضو سابق" ثم يأتون إلينا بحلول إسكان مثل "الخيمة والعشة وبيت الطين والقصبة".
العتب الثالث، وهو الأهم، أن الأخ الزميل، هاشم عبده هاشم، يكتب مقترحه عن حلول "خيمة الصوف" الإسكانية وهو الذي كان يرأس تحرير صحيفة عملاقة طالما أفردت صفحاتها الطويلة عن مآسي تلك الخيام وأمراضها حتى تحولت "عكاظ" إلى "صوت الناس" النابض بكل تلك التحقيقات الصحافية المؤلمة.
هنا يبرز السؤال الصادم الصريح في نهاية المقال: أخي هاشم: هل كنت تقرأ صفحات صحيفتك؟ هل نسيت بعد مغادرة كرسيها الأعلى أنها الصحيفة التي نشرت ذات زمن قصة عائلة من 13 فردا يعيشون داخل كهف حجري في أغوار تهامة اللاهبة. وهل تتذكر أن ذلك التحقيق الصحافي الجريء، الذي أشكرك من أعماقي على جرأة نشره، هو ما أيقظ مشاعر إنسان مثل المحسن الكبير "ناصر بن إبراهيم الرشيد" لينقلهم إلى "فيلا" عصرية مناسبة. هل تعلم أخيراً أن سكان الكهف الحجري تكيفوا وتأقلموا مع "الفيلا" وأن ابنهم اليوم طالب بكلية الطب.