بعد توقيع الاتفاق النووي مع الدول الغربية، كثّف وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف حملته الدبلوماسية التي تهدف إلى إظهار إيران كدولة راغبة في فتح صفحة جديدة مع دول الجوار، وفي الوقت نفسه كلاعب مؤثر في أحداث المنطقة. فرأيناه في لبنان وسورية يعرض خطة لإنقاذ الأسد، ويناقش فصل القوات بين حزب الله وقوات المعارضة في الزبداني. وفي الوقت نفسه فإنه في جولته في بعض دول المجلس سعى لطمأنة المنطقة بشأن نوايا إيران، دون تقديم أي مبادرة ملموسة يمكن أن يُستشف منها التخلي عن الدور الإيراني الداعم للإرهاب وللجماعات المناهضة للاستقرار في المنطقة.

أما الرئيس حسن روحاني فاستمرّ في إرسال مؤشرات لإرضاء جميع الأطراف، فقال يوم الأربعاء 19 أغسطس في رسالة للعرب والغرب على ما يبدو إنه يجب ألا يعتقد الإيرانيون أنه "بعد الوصول إلى التوافق يمكننا التحدث والعمل كيفما نشاء". 

وأثارت تصريحات روحاني وظريف حفيظة منافسيهما داخل مؤسسة الحكم في إيران، إذ سارعوا إلى إزالة أية أوهام بأن إيران قد تفكر في تغيير أسلوب عملها في المنطقة، فقال قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري إن قواته لن تسمح بـ"فتح ثغرات للأعداء"، وهاجم في اجتماع لقيادة الحرس الثوري الأسبوع الماضي تلك التصريحات، قائلاً إن "البعض يعتقد أنه يجب تنظيم سلوكنا وفق إرادة الأعداء ويقولون إننا لا نستطيع أن نتحدث ونعمل مثلما نريد، لأن ذلك يسبب ردة فعل الآخرين"، معتبراً مثل هذه القيود "بداية تآكل استقلال وكرامة النظام الثوري في إيران". وأضاف محذراً "على المسؤولين عدم تقويض مبادئ وقيم الثورة من أجل رضا نسبي لنظام الهيمنة والشيطان الأكبر."

وانتقد محمد جواد لاريجاني (مساعد رئيس السلطة القضائية) تصريحات روحاني، قائلاً: "يجب على مسؤولي النظام في تصريحاتهم أن يأخذوا المصالح القومية بعين الاعتبار.. فالأميركيون يقولون: يجب أن تكون مواقف إيران من الآن فصاعدا على نحو مغاير".

ومما يرجح مصداقية أقوال المناوئين لروحاني وظريف وأنها أكثر دلالة على نوايا إيران الحقيقية تجاه دول المنطقة، أن أفعال إيران بعد التوقيع على الاتفاق لم تتغير. ففي البحرين استمرت أعمال العنف الموجهة نحو رجال الأمن، ومحاولات زعزعة استقرار البحرين وزرع الفتنة بين مواطنيها. وأحسنت السلطات البحرينية صنعاً بنشر اعترافات بعض المتهمين لكي يطلع المواطن الخليجي على ما تُبطنه إيران من نوايا تجاه أمنه واستقراره. وفي السعودية، استمر عملاء إيران في هجماتهم ضد قوات الأمن والمواطنين ومحاولات نشر الفتنة الطائفية.

وفي البحرين والسعودية والكويت، كما في العراق وسورية ولبنان واليمن، ازدادت محاولات إيران ضخ الأسلحة والمتفجرات والأموال المقصود بها زعزعة استقرار المنطقة، ورفع أنصارها عقيرتهم بالهجوم على دول المجلس والضرب على الوتر الطائفي، وضاعف وكلاؤها جهودهم لفرض حلول عسكرية لا هوادة فيها، كما رأينا في تشديد النظام السوري وحزب الله الخناق على المدنيين في سورية خلال الفترة التي أعقبت الاتفاق النووي.

ولا يُتوقع أن يكون هناك تغيير ملحوظ في سياسة إيران تجاه المنطقة خلال الأشهر القادمة، لأنها فترة حملات انتخابية لمجلس النواب ومجلس الخبراء، ولا مكان في هذه الفترة التحضيرية لتلك الانتخابات -المقرر عقدها عام 2016- للاعتدال والوسطية، بل أصبحت المزايدات هي سيدة الموقف، ولم يعد للصوت المعتدل تواجد ملحوظ.

ولهذا كان موقف مجلس التعاون واضحاً الأسبوع الماضي، خلال اجتماع عُقد في الرياض يومي 17 و18 أغسطس لمسؤولين سياسيين وأمنيين كبار من مجلس التعاون مع نظرائهم الأميركيين، فأكد الجانبان في بيان مشترك لهما حرصهما على تنفيذ مقررات قمة كامب ديفيد في مايو 2015  بتكثيف التعاون بينهما لحماية أمن الخليج، بما في ذلك مكافحة الإرهاب ومواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار، وما اتفق عليه وزراء خارجية دول المجلس التعاون وأمريكا في الدوحة في 3 أغسطس 2015، حين جددوا العزم على دحر تنظيم داعش، والتصدي لدعم إيران للإرهاب وتدخلاتها في دول المنطقة، وتضييق الخناق على التدفقات المالية من إيران لدعم الإرهاب وزعزعة الاستقرار. وجاء في البيان المشترك للجانبين أن الأعمال الإرهابية الأخيرة في دول مجلس التعاون قد أوضحت مدى الحاجة إلى تكثيف هذا التعاون المشترك بين مجلس التعاون والولايات المتحدة.

وخلال هذه الفترة التحضيرية للانتخابات في إيران، تجري محاولة لإعادة رسم نطاق مراكز القوى المختلفة فيها، مما أظهر ملامح الصراع بين الحكومة الرسمية التي يديرها رئيس الجمهورية حسن روحاني ووزراؤه، ومراكز القوى الخارجة عن سلطته، لتحديد مكانة كل منهما في المجلس القادم، وتأثيرهما في مركز القوة الحقيقي لدى المرشد الأعلى. وقد تكون دول المجلس والمنطقة العربية اثنتين من مناطق حسم ذلك الصراع.

وبالطبع تظل يد الصلح والسلام والحوار ممدودة نحو إيران، ولكن وكي يحدث ذلك يجب أن تتضح الصورة الحقيقية لما تريده إيران من المنطقة، وأن تتخلّى عن محاولاتها التي لا تتوقف لزعزعة استقرار المنطقة من خلال نشر الإرهاب وإثارة النزعات الطائفية واستغلالها لبسط نفوذها.