يعلن موت النقد الأدبي بجرأة حداثوية، كقطيعة متوهمة، فقد عجز وجدانيا عن دفن جثة الجرجاني، ليمارس معها نفخة الروح في النقد الثقافي، فيخرج فرانكشتاين بهندامه العربي يرطن بأسماء غربية، تضرب في الآفاق بسيف النسق على صهوة التفكيك لتجندل تلك الجملة، وتئد بدم بارد تلك القصيدة، وتقتص ذاك الشطر، وترقع به تلك الثيمة، وهكذا، فعن أي فرانكشتاين نتحدث؟!
عبدالله الغذامي ناقدا ومنقودا، فحلا أصيلا في النقد أم مستفحلا بتراكيب نقدية متنوعة، تشبه حداثتنا المنتهكة في كل شيء، ولا تثريب في ذلك، (فالفحولة تموت، لكن الرجولة لا تموت) ولهذا كانت (حكاية الحداثة) استفحالا بالصوت فقط على الصمت، يُشكر عليه، إذ قرأنا الحكاية الناقصة، كجيل طفل على حداثة موؤودة التفاصيل، بقي منها غابة من الإسمنت تسكنها قبائل بدوية، فحقيقتها لم تروَ حتى الآن، وقلبي يقول لي: الحداثة في السعودية لها سيرة مجيدة، إذ نشأت دلالا وتيها، ثم كانت بصندوق وضاح، ومن ذا الذي يجرؤ على فتح الصندوق؟!
حكاية الحداثة في السعودية هي حكاية القصيدة، هي حكاية الشعر، هي في الحقيقة (حكاية الشعراء وحدهم) هم المتن الذي انقلب عليه الناقد ليجعلهم هامشا، ويصبح الناقد هو (الحكّاء، والحكّاك، والحاكي)، أمَّا الواعظ فليس إلا بندقية تظن نفسها الرامي، وبعد سنوات تكتشف حقيقة أنها أدت دورها وقد أصبحت مجرد (هطفاء) معلقة بالجدار، ومع طول الزمن خجلت من نفسها إذ عرفت أزمتها، التي لم تكن سوى قدامة لبست لبوس الإسلام لتكون هي الميزان، فتدور الرحى بين حداثة وقدامة، فينزل التكفير المفتعل مدعماً بالدليل، ويدور الزمان ليصبح التكفير سبة يتبرأ منها ذوو الفطنة، فينتهي التفاخر بالقدامة، وينبلج سؤال الدين الحق من جديد.
الحداثة لم تكن معركة، كانت محرقة، كانت مكارثية صامتة لكسر العظام من تحت الطاولة، محمد العلي كهلها المحنك، وسعيد السريحي دمها المسفوح، أما الغذامي فحكايته منه وله، لمن لا يعرف كل الحكاية، فإن عُرِفَت بقيتها تحولت الحكاية، كنصف حقيقة، ونصف موقف، ونصف تاريخ.
جيل أتى لم يعرف هذه التفاصيل، لكنه كلما تعمق في محاولة استقراء الواقع، ارتطم بعشرات الكتب تحكي عن الإسلاميين، وبقيت الحداثة أيقونة شبعت لطما من قبل الحركات الإٍسلامية، وهم يستمرؤون لحمها نيئا ومطبوخا، وقد أثبت الزمن أنهم عشاق مآدبها، وسادة الاستمتاع بها وبنتاجها، لكنهم استنزفوا مجال (الحداثة) كمفردة في الوجدان الشعبي، لتأتي الليبرالية كأيقونة جديدة على مذبحهم وقد عانوا الكلل، إذ أرادوا مقاومة الحداثة بالقدامة، ولأن الإسلام مع التطور والرقي فقد بلعت الحداثة قدامتهم، وبقوا في العراء، لتأتي الليبرالية وقد فرغت كنانتهم إلا من أسلحة بائدة، فيدرك الغذامي أنه ليس من عرابي الليبرالية، ولكنه ضارب سوط جيد لعله يدرك جيادها الحرة، فكانت لعبته الذكية في (الليبرالية الموشومة) كمازوخية مارسها باقتدار على نفسه قبل أن يمارسها على غيره بحثا عن حكاية جديدة، لكنه الاستفحال الموشوم بالصرامة الأكاديمية التي عرَّاها ميشال دو سارتو عندما قال: (الالتزام الأكاديمي المحض ليس معرفة، وإنما سلطة) لتؤكد ما وصل إليه كارل مانهايم من أن (تعهد العلوم ورعايتها في بيئات أكاديمية يمثل خطرا كبيرا، لأن الجو التأملي النظري السائد في المؤسسات الأكاديمية، يكبت المواقف المناسبة لفهم قطاع فعلي في الخبرة البشرية).
محمد العلي اختاروه فارسا نبيلا لحكاية صندوق وضاح، فيكون ضيف الشرف في جيزان الحياة والبهجة، بدلاً من حكاية الغذامي التي لم تتجاوز (الأميرة وحبة الفول)، مقارنة بسعيد السريحي شهيد القضية بلا دم، ورغم كل هذا الزمن، ما زال صندوق وضاح مليئا بالحكايا. إن مشوار الحداثة طويل منذ نشوء الدولة، وانتهاء القبائل كأحلاف وثارات، وبقيت القدامة تترافع عن نفسها منذ التضييق على رموز في نجد والحجاز من أجل حداثتها ومطالبها التنويرية.. غازي القصيبي وقائمة تطول من المخلصين الأوفياء لوطنهم وشعبهم.
كلمة أخيرة، الشعر هو من يتجاوز بنا قنطرة (النسق الموهوم) مضمراً كان أو معلنا كمرايا مفتعلة، الشعر الحقيقي ميلاد قاموس جديد، ميلاد لغة جديدة، ميلاد زمن جديد، لا يوجد في سبيل النهضة والروح الجديدة من نصيحة تقال سوى: (اتحدوا يا شعراء البلد) لا تبالوا بالنقد، ولا تنحنوا له، فالشاعر (الحقيقي) يصعد على أكتافه النقاد ليفضحوا عجزهم، فمنذ ألف عام ومعاولهم عجزت أن تسقط شعرة واحدة في مفرق المتنبي، عار على الشعراء أن يسيروا في أزقة النقد الضيقة، فالشاعر يدرك أن الشعر سابق على النقد، لا تنسوا.. الناقد مجرد هامش يريد أن يصبح متنا على أكتافكم، لا تنحنوا له، كونوا شعراء إن كنتم تطيقون، أو فاصمتوا للأبد.