أثناء تصفحنا الإلكتروني أو مشاهدتنا للتلفاز أو حتى تجوّلنا في المكتبات لا بد أن تصادفنا تلك العناوين التي تستدرجنا للاطلاع على قصة نجاح ما. باتت قصص النجاح أيقونة الإعلام الحديث، حيث لا يكاد يخلو منها برنامج يومي لقناة مسموعة أو مقروءة في هذا العصر.

(على الجميع أن ينجح، لأن الجميع يمكنه ذلك) هذه الرسالة التي تطرق أذهاننا باستمرار، بهدف معلن نبيل وهو تحفيز الهمم لتشييد المستقبل المشرق لمجتمعاتنا. حسناً، هذا كله جميل، فأين المشكلة إذن؟

نعم هناك أكثر من مشكلة حقيقية في نظري، وليغفر لي الله إن كنت مخطئا. سأتناول هنا بشكل مختصر ما أراه أهمّها وأكثرها خطرا.

أولى هذه المشكلات هو أن هذه القصص عند استعراضها بشكل دقيق تقدم النجاح وفق مفهوم ضيق جدا، فالنجاح وفق خطابها لا يعدو الوصول إلى بعض أو كل هذه الثلاث: (الثروة أو الشهرة أو السلطة). فطريق النجاح فقط هو ما تساوق مع القيم التي تحترم هذا المثلث لا غير. فالمحصلة التي تستقر بعد تلقي كثير من هذه القصص هي أن يرتسم في ذهن المتلقّي نموذج للإنسان الناجح مرادف تقريبا للشخص الثريّ أو المشهور أو المتنفّذ، بعيدا عن أي صيغة قيمية أخرى للنجاح. فذلك الرجل المتقن لعمله والقائم بأمانته ليس ناجحا، فهو مغمور لا يكاد يعرفه أحد. والأمّ العاكفة على تنشئة أطفالها بشكل سليم ليست ناجحة، حيث لا سلطة لها سوى على صغارها، وكذلك طالب المعرفة الجادّ ليس ناجحا، فرصيده البنكيّ خال من المال في أغلب الأحيان.

يقوم جميع هؤلاء بأعمال مفيدة للعالم والإنسانية، كما من الممكن أن يكون معظمهم راضيا بحياته سعيدا بآفاقه. وما هو النجاح أصلا غير أن تعيش مفيدا سعيدا حميدا. ولكن باعة التنمية البشرية وواعظوها لا يرضيهم مثل هذا التعريف المتّسع للنجاح دون أن يضيقوه بمروياتهم، ودون أن ينعكس عن خطابهم تسلل ذلك الشعور المعكر بالعجز، بل وبالذنب أحيانا إلى نفوس المتأثرين بهم لكونهم لا يستطيعون التواؤم مع مقاسات لباسهم الضيق الذي يسمونه (نجاحا).

كيف يجرؤون ويسمحون لأنفسهم بالسطو على خيالنا ليحلموا نيابة عنا؟ ولماذا علينا أن ننصاع لنحلم الأحلام نفسها المفصّلة لنا سلفا؟ على الجميع أن يتساءل عن هذا؟

ثاني مشكلاتي مع هذه القصص هو تناغم أسلوب سردها مع الطريقة الدعائية الاستهلاكية نفسها المتّبعة في تسويق عمليات التجميل الجسدي. فوصول الإنسان اليوم إلى البراعة الجراحية في التجميل هو أحد إنجازات العصر بلا شك، فقد أدى ذلك بالفعل إلى تهوين معاناة كثير من آلام الناس الجسدية والنفسية. ولكن المؤسف هو أن الدعاية لتلك العمليات لم تعد تكتفي بتسويق حلول المشكلات بل تجاوزتها إلى إيهام المستهدفين بمشكلات غير موجودة، في دعوة إلى البحث عن حلول وهمية لم يكونوا بحاجة إليها في الأساس. وهذا نفسه ما نراه في استراتيجيات الدورات والبرامج والكتب المسوّقة لقصص النجاح، فمستوى خلقها الوهم بوجود المشكلات يفوق مستوى ما تقدمه من حلول بكثير.

تعجز هذه القصص عن تقديم الحلول بسبب نقصها المعلوماتي الحاد في الغالب، فمن المفهوم أن الحلول الفعالة لا تخلق بغير معطيات معلوماتية أقرب إلى الكمال في العادة. ولكن ماذا عن أقاصيصهم؟ إنهم يحدثونك عن (جمعان) الذي حقق حلمه وأصبح مليونيرا، ويصمتون عن قصص ألوف (الجماعين) الذين بذلوا مجهوده نفسه، بل وفاقوه أحيانا دون أن يحققوا مما حققه شيئا. كما أن الكثير من تلك القصص تعمد إلى إغفال وإخفاء واضح لنقاط مفصلية في كل قصة تومئ لسبب لا تملكه إرادة (جمعان) مثل بعض التشابكات الاجتماعية أو الظروف الاقتصادية الخارجة عن التحكّم ونحو ذلك. فمثل هذه الإشارات قد تفسد الجوّ التحفيزي العاطفي الذي تعتمد عليه بشكل كامل ولا يخفى تأثير ذلك على رواج سلعة أولئك القُصّاص.

تزيف هذه القصص تصورنا للحياة فتقدمها بشكل مشابه للعبة الشطرنج، حيث ينطلق جميع اللاعبين من فرص متكافئة لا علاقة لها بالحظ تماما. في حين أن الحياة في حقيقتها أشبه بلعبة (البلوت) التي وإن اعتمدت في جزء منها على مهارة اللاعب وقدرته على استقراء ما حوله وتحديد فرص نجاح ورقه بناء على ذلك الاستقراء، إلا أن اللعبة تحتوي حتما على مقدار مما هو خارج اختيار اللاعب وينعدم فيه تكافؤ الفرص كالتوزيع الأولي لأوراق اللعب على سبيل المثال.

أما أخطر آثار هذه القصص فهو قدرتها على إعادة تشكيلنا سلبيا تجاه نقائص محيطنا، وتثبيط دافعيتنا نحو تصويب الأخطاء العامة، فصنيعة هذه القصص من الأفراد معني بذاته بالدرجة الأولى ولا يعنيه النظر لما حوله بعين ناقدة، فلماذا عليه أن يهتم إذا كان ستيف جوبز أو حتى (جمعان) لم يحتج إلى فعل ذلك؟