مع ما يتم من رصد للميزانيات الضخمة والمبالغ اللازمة لتنفيذ المشاريع، وبما يحقق متطلبات التنمية في مختلف المجالات، ويلبي تطلعات ولاة الأمر وآمال المواطنين، وبما يتوازى مع ما خصص لها من اعتمادات مالية، ومع الأخذ في الاعتبار أن هناك مشاريع تنجز وشركات تنفذ أعمالها في الوقت وبالنوعية المحددتين في العقود المبرمة معها، إلا أنه وفي الآونة الأخيرة كثُر تأخر تسليم المشاريع الحكومية في مختلف القطاعات عن المدد الزمنية المحددة للإنجاز، فالطرق ومشاريع البلديات والمدارس والمستشفيات والملاعب الرياضية والمنشآت الحكومية، بل حتى مشاريع رأس الهرم "الوزارات والمؤسسات والمصالح الحكومية" ذاتها، أعني مباني ديوان الوزارة أو المكتب الرئيس للمصلحة أو المؤسسة، يتأخر تنفيذها وتسليمها عن الوقت المحدد في العقد المبرم بين الجانبين، وفي لوحة المشروع لفترة طويلة، لا أقول تتجاوز الأشهر بل السنوات.
ولا ادري هل كل المشاريع تواجهها مشكلات تحد من إنجاز أعمالها في الوقت المحدد وتجعل التمديد لها لمدة أو لمدد أخرى أمرا مستساغا وعرفا سائدا وقاعدة تسير عليها الشركات والمؤسسات المنفذة والجهات التابعة لها تلك المشاريع، فلم يعد لبنود العقد من الطرفين اعتبار وإلا فماذا يعني تكرار تأخر الإنجاز عن موعده المحدد بلا حسيب ولا رقيب؟ هل هناك ثغرات ومنافذ يدركها أصحاب الشركة والمؤسسات التجارية المنفذة وتجهلها الجهات المسؤولة عن التنفيذ؟
أعتقد أنه لا مفر من معاقبة المفرط في الجهة الحكومية ذاتها التي لم تأبه لمثل ذلك ولا تضعه في الاعتبار ونصب عينها عند إعداد مسودة عقد المشروع، سواء كان ذلك جهلا أو تساهلا، فربما وضعت المدة الزمنية المحددة التي اعتمدت ضمن بنود العقد كمدة زمنية فعلية للتنفيذ خبط عشواء "خالف حساب البيدر حساب الحقل"، كأن تضع مدة أقل من الحاجة الزمنية الفعلية لإنجاز المشروع أو لم تراع الظروف الطارئة المحتملة، ولم تأخذ في الاعتبار المعايير القياسية والعوامل المؤثرة والمتطلبات اللازمة لإنجاز المشروع أو لم تستشعر أن هناك جهات أخرى قد يكون لها علاقة بالتأثير في إنجاز المشروع وتنفيذه وفقا للزمن المحدد. وكان يجب أولا أن يتم التنسيق المسبق معها فقد يتقاطع تنفيذ ذلك المشروع مع مسؤولياتها وأعمالها السابقة أو اللاحقة؛ ما يعيق تنفيذ المشروع قبل اتخاذ الإجراء المطلوب والتنسيق اللازم بين الجهات المختلفة، إضافة إلى أنه ربما توجد بنى تحتية لم تراع عند التخطيط للمشروع، وتقف حجر عثرة أمام الشركة المنفذة وتؤخر الإنجاز، وبالتالي يترتب على ذلك تكاليف إضافية على الشركات المنفذة كأجور عمالة ومعدات أو غير ذلك يتطلب من الجهة المعنية دفع ما يساوي ذلك ماديا؛ ما يتوجب الأمر حينها إيقاف التنفيذ وإعادة النظر في تكاليف المشروع ومدته الزمنية الفعلية.
وقد يكون التأخير من جهة أو جهات أخرى من الإدارات والمؤسسات الحكومية المعنية أو المؤثرة في التنفيذ كاستقدام العمالة أو جلب مواد للمشروع أو الحصول على تصاريح معينة كوزارة العمل والتجارة والجمارك مثلا، أو غيرها من الجهات التي لها علاقة بذلك، إضافة إلى أن ملاءة الشركة المنفذة المالية أو استلامها وتعاقدها لتنفيذ أكثر من مشروع في آن معا مع أكثر من جهة بما يتجاوز تصنيفها ومقدرتها دون اتخاذ الاحتياطات الضرورية واللازمة، وأخذ ذلك بعين الاعتبار سيؤثر بشكل أو بآخر في الإنجاز، ما يتطلب التمديد وتوقيع ملحق عقد إضافي يراعي ما حدث؛ وهكذا تطول المدة حتما، ما يؤدي إلى التأخير، هذا فضلا عن أن هناك جوانب إجرائية وإشرافيه أكثر أهمية لا يتم الأخذ بها أو التساهل في القيام بها، سواء من الإدارة الفنية والهندسية أو بواسطة المكاتب الاستشارية، كالمتابعة المستمرة للتنفيذ وفق مسير أحداث وجدولة محددة لجميع مراحل التنفيذ من حيث الكيفية والتوقيت الزمني للمشروع ومتابعة الإنجاز أولا بأول ومعالجة أوجه القصور التي تحدث حالا وبصورة سريعة.