قبل أيام مر أكثر من عقد من الزمن على أول انتخاباتٍ للمجالس البلدية شهدتها مناطقها الإدارية الثلاث عشرة في المملكة، لتتحقق الدورة الثالثة من الانتخابات البلدية في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز الذي أكد-حفظه الله- غير مرة أن سياسة هذه البلاد هي البناء التراكمي، يستكمل فيها كل ملك مرحلة ما بناه سلفه ويضيف عليها.
وتأتي هذه الانتخابات بعد خمسة أعوام من الأمر السامي الكريم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز-رحمه الله- المشتمل على تعديل نظام الانتخابات البلدية، وفي مقدمة ذلك مشاركة المرأة السعودية ناخبة ومرشحة، وخفض سن الناخب إلى 18 بدلاً من 21، وأن تقضي الانتخاب بانتخاب ثلثي أعضاء المجالس البلدية مع زيادة عدد الدوائر الانتخابية والأعضاء المنتخبين، والتوسع في الاختصاصات والصلاحيات للمجالس بما يتعلق بالاختصاصات التقريرية أو الرقابية، وكذلك رفع شرط مستوى التأهيل العلمي للمرشحين إلى شهادة المرحلة الثانوية (بدلاً من يقرأ ويكتب)، وعدم مشاركة العسكريين ممن هم على رأس العمل.
والتجربة الانتخابية الحالية جاءت بعد الخيبة التي مثلتها تجربة مجالس بلدية سابقة، حيث شهدنا خلال السنوات العشر الماضية ضعفا في الصلاحيات وتهميشا لدَور بعض المجالس ما أدى إلى تقديم استقالات جماعية، غير أن الانتخابات الحالية تأتي مختلفة من جانب آخر هو اختلاف المزاج الشعبي العام الذي قد لا يفضي إلى حماس حيالها؛ نظرا لما تعيشه المنطقة العربية من ظروف تبعث على القلق، إلا أن المواطن السعودي يبقى مؤتمنا على وطنه ومجتمعه، وباتت مشاركته في هذه الانتخابات ضرورة قصوى لما تمثله من عتبة مهمة نحو الاستقرار والتطور المجتمعي، ولذلك بات من المهم ألاّ تعاد صناعة عجلة الصراع المنبثق من مبدأ "الاتهام"، وهو ما لوحظ في صفحات بعض رموز التيارات المختلفة في وسائل التواصل الاجتماعي، بأسطوانة مكرورة مللناها تهدف هذه المرة للتأثير في خيارات الناخبين.
وفي الدورة الثالثة للمجالس البلدية ارتأت اللجنة العامة للانتخابات منع وضع صورة المرشح (من الجنسين) نتيجة لوجود المرأة كمرشحة في هذه الانتخابات، وعلى الرغم من إيماني التام بأحقية المرشح في الترويج لبرنامجه الانتخابي ووضعه صورته الشخصية التي هي جزء رئيس في هويته الإنسانية، ولن يضر هذا الأمر كخيار شخصي في تجاوز الضوابط كما في الهوية الوطنية وجواز السفر، وكما في الانتخابات السابقة التي كانت حصراً على الرجال، إلا أني أتفق من جهة مع ما قاله مدير عام شؤون المجالس البلدية بأن عدم وجود صورة المرشح "لن يضر في البرنامج الانتخابي"، وخاصة المنع على الجميع قد خفف من قسوة القرار، ولا سيما أننا في الانتخابات البلدية السابقة رأينا تركيزاً كبيرا على الصورة الشخصية دون اهتمام بالمضمون الانتخابي، كما أن وسائل الإعلام الاجتماعي اليوم تحقق للمرشح الوصول للناس بالطريقة التي يريد.
وعلى أي حال، تبقى الانتخابات البلدية الحالية (محكاً حقيقياً) في المشاركة الشعبية للمواطن السعودي في الشأن العام، إذ تعكس الممارسة الانتخابية ثقافة الناس، وقناعاتهم، وطريقة تفكيرهم وأساليبهم في الاختيار، لا سيما حين يكونوا أمام خيارات متعددة لم يعتادوها؛ فمن دون انتخابات لا يتحقق "حق" الاختيار، ولا يتحقق التأهيل الديمقراطي في الوقت ذاته، ولا سيما أن الانتخابات البلدية السابقة قد أظهرت سطوة صوت الانتماءات التقليدية على الانتماءات التي تأخذ الشكل المدني.
وفي ظل التجربة الانتخابية الحالية للمجالس البلدية لا يمكن تجاهل تأثير وسائل الإعلام والاتصال في الوعي العام، كما لا يمكن الوقوف عند التجربة الحالية دون (تأهيل) الإنسان السعودي وإعداده للمستقبل، على الرغم من حساسية المرحلة التي نمر بها في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية من حولنا، لكن ليس أمامنا سوى التركيز على التقدم خطوات إلى الأمام من خلال الفرص المتاحة؛ لأن التطور الاجتماعي يظهر جليا في شكل العلاقة بين المواطن ووطنه، فمفهوم "المواطنة" يشير إلى المشاركة والتفاعل الإيجابي، وهو الذي سيظهر خلال الفترة القادمة من خلال فئات المرشحين وعددهم وأسس تصويتهم، وخاصة في ظل التطلع لامتداد التجربة الانتخابية إلى مجالس المناطق ومجلس الشورى، ولو بشكل جزئي وتدريجي.. ليصبح الوطن أولاً في كل خياراتنا السابقة واللاحقة.