سأناقش اليوم فكرة تأثير المعرفة والمهارة في حياتنا وضرورة أن يكون التغيير في الإنسان للأفضل ولصالحه أولا وأخيرا. فعندما تهبط الثروة على مجتمع ما لا بد أن يحدث خلل في الإنفاق، وعندما تقل؛ لا شك أن المعاناة ستحل بعدد كبير من الناس، وفي حالتي الثراء والفقر هناك من يخسر ويستمر، وهناك الرابح المستمر أيضا، وهناك من يتذبذب بين الربح والخسارة.. فما الذي يصنع الفرق؟!
دعونا نقارن مثلا الوطن العربي بأوروبا، سنجد أن أوروبا يتزايد فيها معدل عمر الفرد بسبب الرعاية الصحية الجيدة ووفرة المال والعلم، بينما تشكل حوادث السيارات سببنا الأول في الموت، كما أن الحروب والثورات والجماعات الإرهابية تحصد أرواح الشباب العرب، فيقل معدل عمر الفرد لدينا لأسباب مرتبطة بالوعي في قيادة سيارة بتهور أو بتفخيخها، أو بقتل الآخرين لفكرة مجرمة!
من يقتل نفسه أو غيره عادة جاهل وليس فقيرا، بل من أدار أكبر منظمات الإرهاب جهلة ما داموا يستهدفون أوطانهم مهما حملوا من شهادات، فالمعرفة هنا لم تمر على عقولهم أبدا، بل قاومتها أفكارهم المسمومة. وكثير ممن يتم الإيقاع بهم في مناطق الصراع يظهر أنه قدم لهم معلومات مغلوطة، لحثهم على الخوض في حروب يفقدون فيها حياتهم ببساطة.
الجهل أيضا يقود شبابنا إلى سوء استغلال الموارد.. لأعد إلى فكرة الحياة وعمارة الأرض التي لم تصل إلى فكر كثير من الشباب؛ وأعني العمل لكسب المال ولتغيير الحياة من جهة، ولاستثمار الطاقات التي يتمتع بها الشباب؛ ما زلنا والحمد لله بخير ماديا، لكننا نعاني هدرا مخيفا يبدأ بالإنسان مرورا بالطاقة والمال، ولا ينتهي إلا بالتحول إلى نفايات ضخمة نعاني منها!
مهارة اكتساب المال وتوفيره وتحسين الحياة به يمتلكها العامل البسيط الذي يأتي من بلده لا يملك إلا ثيابه ويعود إليها ثريا، لأن الفقر علمه أهم قوانين الحياة: اعمل لتكسب وتدخر وتثري.
حاليا كثير من شبابنا لا يعرف أبسط قوانين الحياة ومهاراتها، فليس قادرا على اختيار العمل المناسب له؛ بل لا يمتلك المهارات اللازمة له لو أحسن الاختيار، وبالتالي فهو عاجز عن أداء أبسط متطلبات العمل فضلا عن أن يمتلك القدرة على الإنجاز المميز!
لا أريد أن يظن أحد أنني أهاجم الشباب أو أقلل من إمكانياتهم، أو ألقي باللوم على أحد، فما حدث لكثير من الناس هو غياب الوعي الاستهلاكي والاستثماري؛ فوقع الفرد بين فكي الاستهلاك وغياب الرؤية الخاصة الواقعية.
الاستثمار في الأسهم والمضاربة بها مع نزول أسعار البترول كان مخاطرة كبيرة ممن يضع جل رأس ماله فيها، ولا يعي تقلبات السوق ولا العوامل المؤثرة، ومع هذا نلمس تذمرا من هذا الهبوط، مع أن المعادلة بسيطة، كلما تراجع النفط تراجعت الأسعار والعكس صحيح!
الاستثمار الحقيقي في الإنسان، وهو أثمن ما تملكه الأوطان، الإنسان الذي ينتج لوطنه.. لنعد إلى العامل البسيط الذي يحول أضعاف دخله إلى وطنه، هو في النهاية يدعم بعرق جبينه اقتصاد بلده وينعش الحياة فيها. قد لا يدرك هذا الأثر ولا يقصده، ولكنه حقق هدفا وطنيا بامتياز وببساطة. الشاب الذي يجلس في المنزل أو حتى يعمل في وظيفة لا تلبي احتياجاته المادية الأساسية ويعتمد على والديه ليكمل بقية الشهر، هو في النهاية يهدر حياته لتسديد الحد الأدنى من متطلبات الحياة من طعام وشراب وتواصل، ويسيء إلى وطنه من حيث لا يعلم أيضا!
حتى لا يطول التوصيف أقول إننا نفتقر إلى المهارة في معرفة قوانين الحياة وتعليمها لأبنائنا وبناتنا من صلبنا أو تلاميذنا وتلميذاتنا.
أول المهام التي يجب أن نبدأ بها: تعليمهم المهارات اللازمة لحياتهم، وربط وعيهم بما يحدث في الكون من حولهم، وإبعادهم عن الانشغال بالسلبيات التي تحيط بنا وتؤثر فينا دون أن نعي فتجعلنا نتراجع عن إيقاع الحياة والإيجابية ونسلم قيادنا للخوف والقلق.
وقد ضربت المملكة نموذجا رائعا لهذا في حربها مع الحوثيين التي لم تؤثر في استمرارية الحياة لدرجة لم نشعر معها لا بخوف مادي ولا معنوي، وهذا هو التعاطي الإيجابي مع الأحداث.
الأمر الثاني: تخفيف النزعة الاستهلاكية التي جعلت ملاحقة المظاهر والتركيز عليها غاية حياتية، فليس ضروريا ملاحقة الإصدار الأحدث من أجهزة الهواتف المحمولة، ولا أرقى الماركات العالمية، خاصة حين يكون دخل الفرد أقل من تكاليف الحياة التي يريدها.
الأمر الثالث: تعويد الشباب على فكرة الادخار، وهي ضرورة ملحة دائما لأن فكرة المصروف المدرسي الذي يجب أن ينفقه الطالب مهما قل أو كثر فكرة سيئة وعواقبها وخيمة، وهي ما نراه من عجز عن إدارة دخولنا مهما كانت عالية لأننا نركز على صرف كل ما معنا!
من الأشياء التي أظنها ضرورية استغلال الإجازة للتأهيل بدل الترفيه، لأن استثمار الوقت في المفيد للإنسان يجعله عملة نادرة مطلوبة يأتي إليه العمل بدل أن يبحث عنه.