من أبواب وفصول الصدفة النادرة أن تقرأ تجاور وتزامن هذين الخبرين في بطن ورقة صحفية واحدة: على اليمين تقرأ تصريح الأمير عبدالله بن مساعد الرئيس العام لرعاية الشباب بأن ملعب الأمير عبدالله الفيصل في جدة سيهدم تماما بعد ستة أشهر في حالة إذا ما قرر فريق من المهندسين ضعف بنية الملعب الأساسية. على يسار الصفحة ذاتها، وفي ملاصقة الخبر السابق، تحتفي هيئة المهندسين السعوديين بوصول رقم الأعضاء المنتسبين إلى عضويتها إلى 25 ألف مهندس في شتى تخصصات المهنة. تقرأ تناقضات الخبرين وروابطهما ثم لا تملك إلا أن تقول بكل وضوح وصراحة: حشفا وسوء كيل. أولا أشكر سمو رئيس رعاية الشباب على وضوحه أمام الرأي العام، وهو بالمناسبة لا يتحمل مثقال ذرة واحدة من هذا الخطأ الكارثي لأنه جاء للمنصب بعد فترة طويلة من قرار توسعة مدرجات هذا الملعب. ثانيا: تأكدوا تماما أن ما كان فيما مضى تحفة ملاعبنا سيهدم، وكل الموضوع الآن مجرد استيراد أصابع (الديناميت) لأن مهندسا واحدا على وجه كل هذه الأرض لن يضع توقيعه على مغامرة لحياة 40 ألف متفرج حتى لو كانت بنية هذا الملعب وهيكله وأساساته نظيفة 101%.

وجوهر مقالي لهذا الصباح وزبدته عن الخبر الثاني لا عن الأول: أين كان هذا الجيش الهائل من أعضاء هيئة المهندسين السعوديين ولماذا لم نجد من بينهم حتى ولو مجرد ثلاثة مهندسين لاتخاذ القرار الهندسي الصحيح في صباح اليوم الثاني لقرار توسعة الملعب؟ لماذا صرفنا كل هذه الملايين على مشروع نستورد له اليوم أصابع الديناميت رغم أننا أيضا خلال 50 سنة صرفنا ملايين هائلة أخرى على تعليم وكليات وابتعاث هذا الجيش الهائل من المهندسين ثم اكتشفنا أن الهدم هو الحل! دعوكم من حكاية الملعب الكارثة. تقول الأرقام التنموية إن لدينا في البلد ما يقرب من 12 ألف مشروع متعثر أو فاشل أو قاصر عن بلوغ نصف القياسات والمواصفات الهندسية المرسومة على الورق في إضبارة هذه المشاريع. وبأرقام هيئة المهندسين الموقرة فهذا يعني بالضبط وفرة مهندسين اثنين لكل مشروع، وكل حكاية الأرقام في هذا المقال الصغير الحجم والمساحة الذي لم يعد يتسع في نهايته لسرد أرقام مخيفة أخرى لا تشي إلا بخلاصة نهائية: اقفلوا كل كليات الهندسة في كل جامعاتنا بعد أن وصلنا، وبعد 50 سنة من افتتاح كلية هندسة إلى كل هذه الحقائق المخجلة. اقفلوها تماما لأن هذا الجيش الهائل من خراجها هو من حول (النفق) إلى مسبح، وهو أيضا من أخذنا بعد هذه الملايين إلى استيراد أصابع ديناميت لهدم ملعب. انتهت المساحة.