مع اختلاط الحابل بالنابل، والفوضى العارمة في الفكر والرأي، والتي قد تكون إيجابية متى ما تمت بطريقة حضارية وموضوعية، لكن مع كثرة الاتهامات المتبادلة بين المختلفين نرى غياب ثقافة التسامح والعفو عند المقدرة، وتزايد أفكار رفض الآخر وغياب قوانين التعايش وثقافة تقبل الآخر، ويأتي التكفير ليزيد الطين بلة، ناهيك عن توزيع صكوك الغفران للدخول إلى الجنة أو الحرمان منها. ليسيطر قانون الغاب والبقاء للأقوى مع سيادة مبادئ الغدر والطعن بالظهر.

مع كل ما سبق، لا بد أن تجدوا من يحرك المياه الراكدة، وينفث السم في العسل ويخطط لما هو أسوأ من ذلك، إنه فكر الدواعش الذين انتشروا بيننا بكل ما يحمل فكرهم من إقصاء للآخر، لقد خططوا واستوطنوا مساحات من عقول وقلوب أبنائنا؛ مستخدمين الدين الإسلامي -بهتانا- كقاعدة لكل أفكارهم الهدامة والمشبعة والملطخة بالدم.

سأسرد لكم قصتين قديمتين: الأولى، حينما سُمح لإحدى الداعيات أن تعتلي منبرا من منابر العلم في إحدى الجامعات السعودية من أجل إلقاء محاضرة تتحدث فيها عن واجبات وحقوق المرأة المسلمة، كنت يومها إحدى الحضور بسبب عملي منسقة ومسؤولة علاقات عامة في ذلك الوقت، أذكر أن المحاضرة تحولت بقدرة قادر من حقوق وواجبات إلى الحديث عن خطر "ضم وزارة المعارف بالوكالة العامة لتعليم البنات ودمجهما في وزارة التربية والتعليم"، آنذاك لا أنسى كلمات الداعية التي صورت لنا أن أروقة المدارس والجامعات النسائية ستتحول إلى ساحات رقص ودعارة وفسق ومجون واختلاط، وذلك الحديث القديم يتكرر الآن مع القرار الوزاري بتعديل زي الطالبات، أقرأه في مواقع التواصل الاجتماعي من الفئة ذاتها التي تخاف التغيير، وأعتقد الكثيرين يذكرون تلك الفترة والهجمة على الدمج.

أما القصة الثانية، فتمثلت في وقوف إحدى الداعيات في محاضرة نظمت في ملتقى أكاديمي بحت بعيدا عن الدين وقضاياه؛ ليبدأ العراك الكلامي بين الداعية وإحدى الحاضرات، حيث استمر الجدال حول لبس المرأة العباية على رأسها أو وضعها على كتفها، ولم ينته كالعادة.

الشاهد من القصتين هو أن مجتمعنا ظل لعقود عدة يقبل طرح القضايا الشكلية، فيما غاب المجتمع عن المهم والأهم، فكان الاهتمام بالقشور والسطحي، وغفلنا عن الجوهر ولب القضايا.

وحين استيقظنا كان شبابنا قد غادرونا إلى أراضي الله الواسعة، منافحين عن قضايا هي بعيدة كل البعد عن جوهر الدين، فأضحوا وقودا لصراعات سياسية اتخذت من الدين غطاء. الأخطاء تكررت في أفغانستان والشيشان والعراق وأخيرا في سورية. وبعد كل هذا ماذا نتعلم مما يحدثه الفكر المنحرف؟

يجب أن نحارب الدواعش فيما حولنا، أولئك الذين لا يذهبون إلى ساحات المعارك، ولكنهم بيننا ينشرون أفكارهم؛ فيحرضوا على الفرقة، وينشروا ثقافة اللون الواحد، الصوت الواحد، والرأي الأوحد.

يظل الاختلاف الفكري يرقي المجتمع ويغذي عقول أبنائه، لكن يجب ألا يتحول إلى الدين، والجنة والنار، في أصغر الأمور وأكبرها.

كما يجب أن يحترم الكل، الكل في ظل الاختلاف، وعدم التشابه؛ لتسود ثقافة واحدة وهي ثقافة التعايش وهي "أن هذه الأرض هي حق لكل أبنائها على اختلاف طبقاتهم وانتماءاتهم واعتقاداتهم وأفكارهم".