معهم حق عندما لا يريدون قانونا للتحرش، إن القوانين كما أوضح صاحب كتاب روح الشرائع (مونتسكيو 1689/1755) تنهي دور المواعظ، ولعبة تبرير الفواحش بأفعال الضحية، ويقل توجه الناس للوعاظ لطلب الحلول الارتجالية على ما يواجههم، فيأتيك أحدهم بعد أن يقول: بسم الله ما شاء الله، ثم يسترسل بالسؤال: لماذا تلبس ابنك الصغير هذا اللباس القصير (البرمودا) في وسط من لا يخاف الله، فإن فتحت له الباب أكثر، استرسل في توضيح الطريقة المناسبة لحلق رؤوس أبنائك.

قانون التحرش يزيل الخوف من التحرش، وهذا يربك المعارضين، فهم يريدون الخوف الثمين الذي يجعلنا لا نشعر بحياتنا المطمئنة في شوارعنا وأسواقنا ومتنزهاتنا ومستشفياتنا وأماكن عملنا، الخوف (أهم) من التحرش، فالخوف وحده هو ما يجعلنا نهرب رفق عائلاتنا إلى خارج وطننا بحثا عن الأمن والطمأنينة، والقانون يصنع هذا الأمن وهذه الطمأنينة، ولكنه يصنع بالمقابل عدم الخوف من فزاعة التحرش، عندها لن يكون هذا البعبع بيد المتزمت يهزه في وجه المجتمع رجالا ونساء وأطفالا، في كل يوم، وعبر كل موعظة وخطبة، وأثناء كل تسوق أو نزهة أو مهرجان ترفيهي، ليصبح هؤلاء المتزمتون جزءا من ميكانيزم التحرش، أصبحوا (حالة تحرش) بمبرر ديني، ليصبح الخوف منهم جزءا من منظومة الخوف من التحرش نفسه.

من حقهم أن يرتبكوا لأي كلمة تتماس مع الشأن الاجتماعي تحت مسمى (قانون أو نظام) لأنهم لن يستطيعوا العمل في المناطق المعنوية التي يشملها النظام، فإذا اختنقوا بالأنظمة تحولوا إلى صناعة لائحة تفسيرية خاصة بهم لهذه الأنظمة فنراهم مثلاً يستنكرون اللوحات الدعائية لظهور وجه طفلة، حسب تفسيرهم الضيق لأنظمة الدعاية والإعلان؟!

من حقهم أن يخافوا شعورنا بالحرية مع عائلاتنا في الفضاء العام، فذلك يربكهم، يريدونك أن تعتاد وجودهم وتطفلهم عليك ليسألوك بكل لطف لزج كلزوجة الصمغ: هل التي معك زوجتك أم لا، وتلك هل هي ابنتك؟ ويريدون منك بكل أدب أن تقول: نعم هي زوجتي وتلك ابنتي وأشكركم على جهودكم في اقتحامي وأسرتي لتحموننا من الرذيلة، متناسين أنهم أتوا رذيلة قطعية في سبيل الوصول لرذيلة مظنونة، إذ انتهكوا شعور الناس التلقائي بالأمن في الأماكن العامة التي لم يعتد عليهم فيها أحد سواهم، تحت مبرر الأمن نفسه، فما بالك لو تعمدوا حمايتك من الرذيلة أكثر وقام أحدهم بتوجيهك لنوع العباية المناسب لأهل بيتك، هل ستشعر بفضيلة هذا العمل أيضاً وتتقبله بكل حب، أم أنك ستقول: هذه عائلتي وهذا شأن يخصني وإياهم فقط؟ لينقضوا عليك أنت وعائلتك فيقلبوا حقك باطلا، فتقرر أنت وعائلتك أن تترك هذه الشوارع لهم، وتتجه إلى مكان آمن لتعيش بأمن وأمان رفق أسرتك مستمتعين أحرارا آمنين سعداء، لا تخشون إلا الله.

تشعر بهم وكيف أنهم حريصون على إيجاد ثغرة ليقتحموا عليك خصوصيتك، وستجد من يدافع عنهم، لأن المصابين بمرض (عقدة ستوكهولم) تجاه هؤلاء كثيرون، بل وأصبحت هذه العقدة هي الطبيعية، فإن كنت معافى من هذه العقدة، فأنت متهم في دينك وعرضك، ومن لوازمها الدفاع الأعمى عن هذا الصنف من البشر، واعتقاد أنهم حماة لشرفك الشخصي، وحماة لشرف أهلك الشخصي.

تشكو لك ابنتك من إصرار معلمتها على لبس عباءة الرأس مع القفازات، وعندما تسأل المعلمات عن النظام الخاص بنوع اللبس، تكتشف أنه اجتهاد من مديرة المدرسة التي تتخلص من عباءة الرأس فور انتهاء دوامها الرسمي بالمدرسة، لتعيش حياتها الطبيعية بعباءة كتف جميلة وأنيقة كما هي حياة ابنتها في الكلية، فتضطر لنقل ابنتك إلى مدرسة خاصة بعيدة عن التزمت الفصامي لبعض المدارس الحكومية للبنات.

يرد عليك أحدهم بأن هؤلاء من الصالحين والصالحات، مكرراً العبارة المشهورة: "أحب الصالحين ولست منهم"، متناسيا أن عليه واجب معالجة جهله بالصالحين، عن طريق البحث الصادق المستقل في صفات الصالحين، ومعرفة أحوالهم، كي يميز الحقيقي من المزيف، بدلاً من التعلق بقشور شكليه، تجعله لا يفرق بين البغدادي والظواهري، وأمثالهما من جبناء لا يملكون جرأتهما في التصريح، فيعيشون خطب التلميح والتورية والتهديد تحت ثوب النصح، وبين من لا نزكيهم إلا ظنا بخير نغبطهم عليه، وهم قليل، قليل ومغمورون، صفاتهم صفات النبوة وصفات آل بيت النبوة، رحمة بالعالمين وسعة في الفقه.

كنت أناقش أحد أقاربي، وهو يدافع عمن يقتحم خصوصياتنا، فقمت متعمداً برفع كأس الشاي إلى فمي بيدي الشمال للفت انتباهه لمشكلة اقتحام الخصوصيات، فقام بتنبيهي إلى ضرورة شربه باليمين، فتجاهلته وبقيت ممسكاً الكأس بشمالي، فقال: هل تنكر سنة رسول الله؟ فقلت له: إلى أين تريد الوصول بالضبط؟! سأختصر عليك الطريق، أنت تريد تكفيري لأني شربت الكأس بشمالي، فإن لم تستطع تكفيري، فلن تعدم تهديدي بخروجي على سنة الرسول الكريم، وستضخم موضوع الشرب بالشمال ليصبح من أركان الإسلام الخمسة، وضمنا فأنت تستبيح دمي، فهل عرفت إلى أين وصل بنا الأمر ونحن لا نشعر؟! هذه يدي ولا تعنيك في شيء، ومعلوماتك الدينية أذكرها مثل ما تذكرها من المرحلة الابتدائية، فتخيلوا لو فتحنا بابا لأحدهم ليقيم علينا التعازير بسبب فتوى اجتهادية قديمة تحرِّم شيئاً لم يعد من المحرمات، أو تحيل المكروه في الدين إلى حد من حدود الله تراقب وتعاقب على أساسه، هل هناك من يريد تعزير الناس وجلدهم لأن كثيراً منهم يحلق لحيته؟! صدقوني يوجد من يتمنى ذلك، لو وجد الفرصة، ومن هؤلاء تحديداً يظهر المتعاطفون مع داعش، إذ يتوفر في سلوكهم نزعات سادومازوخية تبحث عن مبررها الاجتماعي بالدليل الشرعي، فكيف إذا أصبح السادومازوخي واعظاً يشار له بالبنان، لن تقع عينه على قولين للفقهاء قبل ألف سنة، إلا اختار أشدها وأضيقها على العباد والبلاد، كعطش لا يرتوي للمراقبة والمعاقبة والشدة على حياة الناس اليومية، فإن عجز من واقعهم اليومي فلا أقل من إيقاعه على ضمائرهم إذ يجعلونه مرشدهم الروحي.

ختاماً يجب على الفقهاء توعية طلبة الفقه أنه (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وأن يُربط الإنكار في مسائل الخلاف بالجهل، فكل منكر في مسألة اختلف عليها الفقهاء فهو جاهل جاهل، وكل منكر في شأن خاص بالآخرين ليس هناك نظام يمنعه، فعليه عدم الافتئات على الأنظمة والتعليمات، ويكفي أن نحذر من الوقوع في ما وقعت فيه أفغانستان لنجد من ينكر اجتهادا، فيظهر عندنا (ملالا يوسف) جديدة، ومحاولة قتلها، أو إلحاق الأذى بأهلها لخروجها عن سياق فقههم الأعوج، لنرى -لا سمح الله- جدع الأنوف أو سكب الأسيد على وجوه النساء رفق عائلاتهم في انفلات أمني لا يقبله عقل ولا دين، بل يجب أن تسود الأنظمة والتعليمات الحافظة لحرية المجتمع وكرامته، وليس من المعقول أن تنتهك حريات الناس باسم النظام الموكول بحماية هذه الحرية وصيانتها.

قد يقول قائل: حرية الناس بما يتناسب والشريعة الإسلامية، فنقول: نعم بما يتناسب والشريعة الإسلامية لا شريعة طالبان ولا شريعة داعش، ولا ما يشبههما ويلتحف بنفس مبرراتهما، بل دين يسر وسماحة ينفي عنه خبث المتنطعين المبطلين ممن يظنون أنهم يحسنون صنعاً، وما زادوا حياتنا إلا خبالا يؤكده واقع الهاربين بالأفواج في كل إجازة لبلاد تأمن فيها أسرهم من التطفل والتغول باسم الدين.