تعيد التحولات الدرامية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط الكبير، وأحدث حلقاتها أفغانستان، مركز الثقل السياسي والدبلوماسي والعسكري في الشرق الأوسط إلى المملكة العربية السعودية، حيث تؤكد التقارير أن أفغانستان، البلد المنهك من الحروب والأطماع، لم يلجأ إلى أي من الدول الكبرى لتضميد جراحه، إنما طلب المساعدة والنصيحة والدعم من الرياض لتحقيق السلام في وقت مبكر، وهو ما يتجلى في احتفاظ المملكة بعلاقات قوية ومتوازنة مع كافة ألوان الطيف السياسي هناك، رغم تبايناتها المتعددة.
هذا الدور السعودي المرتقب قد يسبب إزعاجا لروسيا والصين وإيران، خصوصا مع استثمار طالبان تداعيات الوضع في أفغانستان، والانتصارات التي حققتها خلال الفترة الماضية، ما دفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار بالإبقاء على عدد من جنودها حتى نهاية العام المقبل، أو مطلع العام الذي يليه.
أصبح اقتراح رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي السابق، الجنرال مارتن ديمبسي، الصيف الماضي، الخاص بالإبقاء على عدد كاف من الجنود الأميركيين في أفغانستان لمكافحة الإرهاب، قيد التنفيذ، بعد أن أعلن الرئيس أوباما الخميس الماضي إبطاء وتيرة الانسحاب الأميركي من أفغانستان، وإبقاء آلاف الجنود هناك لمهمات غير قتالية "تدريب الجيش الأفغاني" حتى نهاية عام 2016 أو بداية 2017.
قرار التمديد في أفغانستان – حسب أوباما – حيوي بالنسبة للأمن القومي الأميركي، ويعني حسب محللين عسكريين أن تخلي الرئيس عن طموحه السابق في سحب القوات الأميركية التي بدأت عام 2001 والإقرار بأن القوات الأفغانية غير مستعدة لتولي مسؤولية الأمن وحدها، خاصة بعد سقوط مدينة قندوز الاستراتيجية في شمال البلاد والمكاسب المتصاعدة التي حققتها حركة طالبان على الأرض.
الرياض مركز رئيس
التحولات الدرامية التي يشهدها الشرق الأوسط الكبير وأحدث حلقاتها أفغانستان، التي توصف بـ"مقبرة الإمبراطوريات" على امتداد التاريخ، تعيد مجددا مركز الثقل السياسي والدبلوماسي والعسكري في الشرق الأوسط إلى المملكة العربية السعودية، بل إن التعاون أو صدام المصالح الدولية والإقليمية في المستقبل القريب لابد أن يمر عبر الرياض كالعادة.
هذه الخطوة المفاجئة في ظاهرها، من قبل الرئيس أوباما، التي يتنكر فيها للوعود التي قطعها على نفسه قبل انتخابه رئيسا للبلاد، الخاصة بالانسحاب من أفغانستان عام 2014، "قلبت الموازين"، لأن حركة الأحداث المستمرة والمتسارعة في الشرق الأوسط الكبير تشير إلى خطورة معضلة الإرهاب وتمدده في المنطقة، من المغرب حتى أفغانستان مرورا بسورية والعراق، لا سيما بعد أن فشل حلف الناتو في الاستراتيجية التي حدد معاييرها في قمة شيكاغو في مايو عام 2012، والتي لم تعد صالحة في الوقت الحالي.
تغير المعادلات
روسيا ليست بعيدة عما يجري في أفغانستان – كما يظن البعض - فقد سارعت منذ عام 2012 وفي خطوة استباقية أثارت الدهشة بمغازلة حركة طالبان صراحة، ووصف بيان صادر عن الخارجية الروسية آنذاك "حركة طالبان" بأنها" ظاهرة أفغانية بحتة لا تنوي الخروج من البلد أو مهاجمة أحد"، ما يشير إلى أن المعادلات عام 1979 ليست هي نفسها عام 2015، خاصة العلاقة بين أطراف الصراع وتجاذبات القوى هناك.
العلاقة مع السعودية العمود الفقري للأفغان
تؤكد التقارير أن أفغانستان البلد المنهك من الحروب والأطماع، لم يلجأ إلى أي من الدول الكبرى: الولايات المتحدة، الصين، روسيا، أو حتى الهند، وباكستان، واليابان، وإيران، لتضميد جراحه، إنما لجأ إلى السعودية لطلب النصيحة والدعم لتحقيق السلام في وقت مبكر، ولعل اللقاء التاريخي الذي جمع وزير الخارجية السابق الأمير سعود الفيصل - يرحمه الله- ونظيره الأفغاني وقتئذ، زلماي رسول، في الرياض منتصف عام 2012 هو نقطة الانطلاق التي يجب أن تبني المملكة عليها سياستها حاليا، حيث وصف زلماي العلاقة مع السعودية بـ "العمود الفقري للسياسة الخارجية الأفغانية بإجماع كل الأطراف على تباينها".
المملكة أمامها مسؤوليات جسام في الأيام القادمة وأدوار جديدة، ليست فقط باعتبارها قلب العالم الإسلامي، وإنما لأنها بالفعل مركز الثقل الاستراتيجي بالمنطقة، في الوقت الحاسم، وربما يشكل دورها القادم ازعاجا لروسيا والصين وإيران، والغرب أيضا، لا سيما مع استثمار حركة طالبان لتداعيات الوضع في أفغانستان، والانتصارات التي حققتها على الأرض في طول البلاد وعرضها، والإبقاء على آلاف الجنود الأميركيين هناك، لمهمات غير قتالية مثل تدريب الجيش الأفغاني، حتى نهاية العام القادم أو بداية 2017.