لم يكن مستغرباً رد فعل إدارة التعليم بصبيا إزاء قضية ثانوية الظبية، فهذا هو حال بعض الجهات الحكومية للأسف الشديد عندما تنحرف عن سلطتها الإدارية، فقد أصدرت إدارة التعليم قرارات بإعفاء بعض المعلمات، وذلك بحجة انتهاء فترة تكليفهن حسب النظام المتبع!
وعند كشف القضية في وسائل الإعلام، بدأت الإدارة بالقول إن القضية قيد الإجراء، ولم يتم اتخاذ القرار النهائي بشأنها، وتستغرب الإدارة من تدخل بعض وسائل الإعلام في قضية لا تزال قيد الإجراء! وليس هذا وحسب، بل اتهمت وسائل الإعلام بطرح القضية بلغة الاستعداء!
وإدارة التعليم من خلال هذا الموقف تهدف إلى أمرين: الأول التهرّب من عدم نظامية القرارات الصادرة عنها ومحاولة تبريرها، والثاني كسب التعاطف الديني من خلال التركيز على أن وسائل الإعلام تستعدي الإدارة بسبب قراراتها التي تهدف إلى حماية المجتمع من الاختلاط والسفور.
ومن الملاحظ إن إدارة التعليم بصبيا سلكت في البداية الطرق والوسائل البيروقراطية المتعارف عليها في بعض الجهات الحكومية؛ لإصدار قرارات إنهاء التكليف، وذلك من خلال إجراء التحقيق مع المعلمات الذي على أساسه صدرت تلك القرارات، وعند كشف القضية في وسائل الإعلام وبالتالي كشف المسببات الحقيقية لتلك القرارات لجأت إدارة التعليم إلى مبرر آخر، وهو أن التكليف محدد بفترة زمنية معينة، وعند انتهاء هذه الفترة يحق للإدارة تجديد التكليف من عدمه، لتقع الإدارة في فخ التناقض البيروقراطي.
فإدارة التعليم تعتبر بأن لديها سلطة مطلقة في اتخاذ قرارات التكليف، فإذا كان كذلك فلماذا تلجأ إلى إجراء التحقيقات لجعلها مسببة لتلك القرارات؟ والأخطر من ذلك كله، ومهما بررت إدارة التعليم تصرفاتها الخاطئة، لماذا يتم التحقيق مع المعلمات من أساسه؟
السؤال السابق لم تستطع إدارة التعليم الإجابة عنه، مع أنها تدعي في تصريحاتها الإعلامية بأنها حريصة على إيضاح الحقائق بكل شفافية، كما تتهم الإعلام بإيهام "المجتمع بأن زيارة مقام إمارة منطقة جازان كانت هي الباعث للقضية، وهو أمر مناف للحقيقة واجتهاد من وسائل الإعلام في غير محله؛ لأن جميع مسؤولي ومنسوبي إدارة تعليم صبيا يتشرفون بدعم ورعاية إمارة المنطقة لمختلف مناسباتها وفعالياتها ويشعرون بالفخر والاعتزاز لاستقبالها منسوبي ومنسوبات التعليم في كل أنشطتها ومحافلها"!
والسؤال المطروح هنا: أين هي الحقيقة إذاً يا إدارة التعليم؟ أم أن الهدف من التصريح السابق هو تهدئة القضية إعلامياً؟ ومن ثم البحث عن تهم أخرى، ومحاولة تصيد أخطاء المعلمات؛ للتهرّب من الأسباب الحقيقية لقرارات إنهاء التكليف، فمثل هذه الممارسات البيروقراطية قد عفا عليها الزمن، وإذا كانت الإدارة فعلاً محقة فيما تقوله في تصريحاتها الإعلامية، فلتعلن بكل شفافية، ما التهم أو المخالفات الموجهة إلى المعلمات والطالبات؟ ولماذا التحقيق من أساسه؟
فالتحقيق وفقاً لنظام تأديب الموظفين يجب أن يكون وفقاً لتهمة، أو مخالفة محددة مكتملة الشروط والمستندات، والتحقيق بدون تهمة يعد باطلاً، والإدارة التي تقوم بالتحقيق مع موظفيها، دون وجود تهمة محددة، تنحرف بسلطتها الإدارية. هذا من جانب.
ومن جانب آخر، فإن قرارات إعفاء المعلمات من مناصبهن يدخل ضمن ما يسمى بـ"العقوبة المقنعة" بدلاً من توقيع عقوبات تأديبية بحقهن، وهذه عقوبة مستترة خلف ستار تنظيم العمل، وقد تستخدمها الإدارة لتحقيق مآربها، ولكن على الإدارة في مثل هذه الحالة أن تقوم بتسبيب قرارات إنهاء التكليف حتى تبدو العقوبة المقنعة نظامية.
فكما رأينا آنفاً ذكرت إدارة التعليم أن سبب إنهاء التكليف هو انتهاء المدة المقررة نظاماً، وهذا سبب إصدار تلك القرارات، ولكن لا يجوز نظاماً اتخاذ مثل هذه القرارات وسيلة تأديبية على خلاف ما قررته الأنظمة واللوائح، فسبب القرار الإداري عموماً هو أحد الأركان الأساسية لصحته.
فإذا كان سبب القرار هو سنده النظامي، فإن هذا السبب ما هو إلا وسيلة تدفع الإدارة لإحداث أثر معين، بغية تحقيق هدف عام يمثل غاية لكل القرارات الإدارية هي المصلحة العامة، ولقيام السبب المبرر لإصدار القرار يتعين توافر حالة قانونية أو واقعية تدعو الإدارة إلى مواجهتها، فإنهاء تكليف المعلمات يستوجب توافر حالة قانونية معينة، فإذا كان السبب كما تدعيه إدارة التعليم بصبيا هو انتهاء الفترة المحددة، فإنه يجب عدم الخلط بين سبب القرار وغايته، فلا يجدي الإدارة نفعاً أن تتذرع بأنها أرادت الصالح العام، فالصالح العام هو ركن الغاية، وركن الغاية لا يغني عن ركن السبب.
فقرارات الإدارة يجب أن تهدف إلى تحقيق الصالح العام المجرد، دون تلون بأي اتجاه عقدي أو فكري، فإذا حاد رجل الإدارة عن تلك القاعدة، وابتغى بقراره التعبير عن فكره أو وجهة نظره الشخصية أو التنكيل بخصومه، خرج عن إطار المشروعية، وصار موصوماً بالانحراف عن السلطة، مستوجب الإلغاء نظاماً، حيث إن ما قام به رجل الإدارة يعد خروجاً على مقتضيات الواجب الوظيفي التي توجب على الإدارة أن تقف على الحياد من التيارات الفكرية السائدة في المجتمع، وألا يسعى رجالها بقراراتهم إلى محاباة تيار على حساب آخر، ولو كانوا ميالين له أو معتنقين لأفكاره، والهدف من ذلك هو المحافظة على استمرارية معدل أداء العمل الإداري.
إن الانحراف بالسلطة هو خروج عن القصد الذي رمى إليه المشرع من وراء سنه للأنظمة والقوانين، وقضية ثانوية الظبية يجب إلا تخرج عن إطار القضاء الإداري ورقابته، وإلا فإن الأنظمة واللوائح سوف يتم تطبيقها من حالة إلى أخرى، ومن شخص إلى آخر، حسبما يتراءى لرجل الإدارة، وبما يتماشى مع رغباته، التي تكون بالطبع بعيدة عن تحقيق المصلحة العامة.