حينما قامت الثورة الإيرانية عام 1979 ضد دكتاتورية الشاه هبت المشاعر العربية فرحة بالفتح الكبير الذي هشم صنمية الإمبراطور المتغطرس والمستبد، وكانت الثورة تلك وعدا عظيما بانخراط إيران في قضايا الأمة وقمتها فلسطين، وكان الخميني يتكلم بلغة تشعل مشاعر العرب بهجة بحليف إسلامي مساند لقضاياهم، وتوجها بطرد إسرائيل من إيران وتسليم مكاتبهم للفلسطينيين، غير أن الخميني ما لبث أن بدأ يجهز جيوشا تحت شعار تحرير الأراضي المقدسة، ليس في فلسطين وإنما في العراق، وهنا وقعت حرب السنوات الثماني بصدارة عراقية تحمي البوابة الشرقية للوطن العربي، كما هو الشعار الذي أطلقه صدام حسين، وتبين مع الزمن أن هذا لم يكن شعارا فحسب، بل كان حقيقة لم تتكشف إلا بعد أن غلط صدام نفسه غلطته القاتلة بغزوه الكويت 1989، وهو الحدث الذي فتح أبواب جهنم على الأمة العربية، وانتهى بسقوط بغداد في 2003، وهنا تكشف أن البوابة الشرقية للوطن العربي كانت حقا وحقيقة محتاجة إلى حراسة منيعة، وترتب عن هذا أن دخلت إيران ليتفاخر ملاليها بأنهم يحتلون أربع عواصم عربية وتحقق لهم ذلك خلال عشر سنوات، وقعت فيها بغداد وبيروت ودمشق وصنعاء تحت هيمنة المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني بوساطة ممثلين مخلصين لمراد المرشد وتوجيهه المقدس.

في هذه الدورة الزمنية تعرض الخطاب العربي الثقافي لتغير قلب كل الأسئلة وحول وجهتها الجغرافية والمعرفية، وقد كانت البوصلة الثقافية العربية تتجه غربا تحت ثنائية (العرب/ الغرب) بدءا من الغرب الاستعماري إلى الغرب الإمبريالي ثم الغرب العولمي، حتى صار المفهوم الجغرافي لكلمة الغرب هو الأكثر ثقافة وتقدما معرفيا، وكلما اتجهت غربا تعززت فكرة الثقافة، وشمل ذلك خارطة العالم العربي نفسها، وصرت كلما غربت تحسنت صورتك الثقافية، وبدا المغرب العربي في صورة الأحسن إنتاجا ثقافيا؛ مما جعل الريح الغربية رمزا للتحدي الثقافي، مع ازدواجية المعنى الجوهري لهذه الثنائية ما بين عدوانية المستعمر وتسلط الإمبريالي والعولمي، ولكن الجانب الحضاري يظل محفزا للأمام ويظل نموذجا لطلب الرقي والتقدم.

كانت البوابة الشرقية العربية محصنة وسمحت لمثل تلك الأسئلة أن تنمو وتعم وتتعمق في كل أنساق الثقافة العربية، بما في ذلك المعنى السياسي والاقتصادي وأنظمة التفكير والتأسيس في هيكلة مادية وثقافية، غير أن انهيار البوابة الشرقية في 2003 غير كل المعادلات لتحل ثنائية أخرى هي (العرب/ إيران)، وهذه ثنائية رجعية تعيد التاريخ إلى الخلف وإلى خلف الخلف، حيث أظهرت أقبح ما في بطون الكتب القديمة مما كان ساكنا في جمود القراطيس، ثم فجأة قفز ليكون مراهقا يمشي في الشوارع ويقصف الناس بالحجارة على وجوههم ثم وصل إلى مرحلة التفجير، وتحطيم أعمق أبنية الوطنية والمجتمعات.

حصل هذا التحول المتوحش وتوحشت معه الثقافة، وهو أمر صار يحدث وفق حال من المفاجآت المذهلة يلخصها لنا بعض زملائنا من المغرب العربي، حيث طرحوا في جلسة نقاش في القاهرة تجربتهم مع هذه التحولات، ووصفوها عبر اكتشافهم لمعنى كلمة (شيعي) وهي كلمة قالوا إنهم لا يعرفونها إلا عبر الكتب، ولم يخطر ببالهم على مدى زمنهم المعرفي أنها كلمة تغير من علاقات المكونات البشرية وتمس المكون العربي المشرقي بحالة انفصام لم تكن قط حاضرة ولا ماثلة ولا متصورة.

هذه إحدى علامات الرياح التي هبت على الوطن بعد سقوط بوابته الشرقية؛ مما كسر بنية الجسد الواحد ليكون أجسادا، وبدلا عن سؤال الثنائية مع الغرب حيث المستعمر من جهة والمتحضر من جهة ثانية، وأنت تختار نموذجك المحفز، وكل منهما كان محفزا، فالمستعمر دفع بأطياف المجتمع بكل مكوناتها وسحناتها لأن تتحد في صور النساء يحملن رايات الاستقلال مع الرجال والأطفال، وتساوت كل مكونات المجتمع العربي في سؤال الاستقلال وفي سؤال النهضة، وكلاهما سؤال متصل بالغرب بوجهيه، ولكن هذا انكسر ليفتح أبواب الانكسارات وعبر ثنائية إيران والعرب توارت المحفزات لتحل محلها الانكسارات حتى لقد تعادى الرفاق وتفككت التكتلات الحزبية "حزب البعث كان يضم شيعة أكثر من السنة حتى وصلت النسبة 70% من الشيعة"، وبلغ التفكك للبيوت بين الأزواج والأبناء مثلما بين الجيران ومراكز العبادة، وصار هذا علامة على القنوات الفضائية، ولكل منها هوية طائفية تؤثر حتى على رواية الخبر، ولو كان الحدث في البرازيل أو الهند.

ومع أحداث اليمن نشرت خارطة ملونة تكشف جغرافية التوزيع المذهبي والطائفي في اليمن بأربعة ألوان تقتسم الأرض والجبال والوديان وتلون الطبيعة بمعتقدات البشر، حتى صار الجبل عدوا للوادي وصار الحجر يسأل الحجر عن لونه.

هذا ما حدث للأمة مذ انهارت البوابة الشرقية وصارت الحدود ليست بين البلد والبلد، ولكن بين ما في قلبك وقلب جارك، وسيتلون ثوبك وغطاء رأسك وستكون العمائم هي عناوين المرحلة.

حدث هذا وأنتج مصطلحاته الخاصة به كخطاب في التوحش الثقافي، وهذه المصطلحات هي: تصدير الثورة، الشيطان الأكبر، الأقلية، المظلومية. وأخطر ما في هذا هو أنه ليس تهديدا لواقع الأمة فحسب، ولكنه أيضا قنابل مبرمجة لانفجار مستقبلي سيضر المكون الذي تم استهدافه أكثر من غيره.

ولا شك أن إيران تستهدف الشيعة العرب، وهم هدفها الجوهري المخطط له حيث تحاول إقناعهم بأنها هي من تحميهم، وقد قالها أكاديمي عراقي في حسابه على تويتر: "إيران تحميني"، وهنا مشكلة المشاكل كلها على المستقبل، حين ترى فئة من العرب أنها غير آمنة مع جوارها العربي وفي وطنها، وأن إيران هي الحامية لهم، ودونها سيكونون ضحايا..

والسؤال هو: ما الذي حول أمنهم إلى خوف؟!

ثم ما ذا لو تلاشت قوة إيران يوما ما، فما مصيرهم بعد أن فرطوا بعصبتهم الآمنة، وركنوا للغازي ليكون حاميا لهم؟! (وأستند هنا على تغريدة الأكاديمي العراقي، وهو رجل عاقل ومعتدل ومتوازن ووطني؛ مما يعني أن الانكسار وصل إلى أعمق أعماق الذات الوطنية).

هل وقع الشيعي العربي بخدعة إيرانية غيرت من طبيعة وجوده، وطبيعة علاقته مع الأرض والجار والهواء وأسئلة ثقافته حتى توجهت عيونه نحو طهران، وأدار ظهره عن نفسه وواقعه..؟!

سأقول وبقلب مكسور إن خطر إيران على الشيعة العرب أكبر من خطرها على غيرهم، وهذا سؤال للمستقبل وليس لنشوة الحاضر، وهو سؤال للتذكير وليس للاكتفاء بوصف ما يحدث من بعد تزييف معاني المظلومية وتحويلها إلى ظالمة، وتحويل الأقلية لتكون ضد أكثرية هي في الأصل أهلها ودارها، وتحويل تصدير ثورة الخمينية لتكون بديلا عن أسئلة النهضة، وتحويل الجوار العربي ليكون شيطانا أكبر.

هذه موضوعات ستكون مادة لبضع مقالات تتوالى هنا وتطرح الأسئلة، أسئلة الثقافة وأسئلة المستقبل.