.. وأما "الخلاطون"، فهم قوم "تويتريون" متوتّرون، يبصرون وليسوا من المبصرين، ويعرفون وليسوا من العارفين. يهيمون في كل موضوع وليسوا من الموضوعيين. لا يتراجعون عن خطأ، ولا يعتذرون عن تجاوز، ولا يرتضون بغير أقوال المفكرين بالنيابة عنهم بدلا. لا يدركون أنهم أدوات، ولا يعلمون بوجود رؤى تختلف عن رؤى منظّريهم، أو عقولا غير عقول ملقّنيهم.

هؤلاء كالأعمى الذي يظن أنه مبصر، فتختلط عليه الألوان حتى تصير الحياة في عينيه لونا واحدا لا لون له، ثم إنه – لفرط عماه – يسعى إلى نشر "بصيرته" القاصرة متوهما أنه يضيء الطريق أمام العميان، ليتحول – مع كثرة الإخلاص – إلى "مسخرة".

في "تويتر" يكثر هؤلاء المتوتّرون، الذين يظنون أنهم مصلحون وهم المفسدون؛ لأن "إخلاصهم" في نشر أفكارهم يصير إصرارا على التدليس، سواء علموا أنهم يدلّسون، أم لم يعلموا.

لا أصادر، وإنما أتحدث عن نماذج مشهودة من "خالطي الأوراق"، ممن يقدمون الصور النمطية عن الأشخاص، على مناقشة الأفكار، لتصبح ردودهم قوالب جاهزة للرد على كل من يرونه مختلفا عنهم بوصفه شخصا، لا بوصفه صاحب رأي.

من نماذج ردودهم، أن يكتب أحدهم في الرد على تغريدة تتعلق بموضوع ثقافي أو فكري: ولكن العلمانيين والليبراليين هم الخطر الذي يهدد الأمة. وهو رد قد يكتبه الرهطويون حتى على تغريدة نصها: لا إله إلا الله محمد رسول الله!

وحين تتعلق التغريدة بنقد الإرهاب والفكر الذي يغذيه، يكون الرد: العلمانيون والليبراليون يتجاهلون إرهاب حفتر والسيسي وعباس! و"إيش جاب لجاب؟"

لا أظن أنني في حاجة إلى بسط أسباب هذا الخلط الذي يظنه أهله حججا دامغة، وردودا مسكتة، فالرؤية واضحة، والأسباب معلومة عند من استخدم عقله، كما أمر الله، دون أن يكون صدى مشوها لآراء وأفكار المفكرين بالنيابة.

مؤلم هذا الواقع المتردّي الذي آلت إليه العقول بسبب تنميطها الممنهج الهادف إلى "السيطرة" تمهيدا لسيطرة أكبر، هي السيطرة السياسية المستقبلية.

كلما قرأت تغريدة أو ردا لأحد هؤلاء، استحضرت قول الشاعر محمد العامر الفتحي:

"قَذَىً بِعَيْنيكَ.. أمْ بِالعينِ عَوّارُ..؟!!"

أمْ فوقَ رأسِكَ

بَيْدَاءٌ

وأحْجَارُ؟

وهو مطلع قصيدة عنوانها: "زرقاء اليمامة"، ضمّنه شطرا للخنساء، فجاء ملائما لمعنى القصيدة العام، ومتسقا مع عنوانها؛ لأنها تتحدث عن العمى بطريقة رمزية.

"الخلاطون" لا يعانون من القذى، لكنّ فوق رؤوسهم بِيدا وأحجارا، تشبه ظلمات متراكمة؛ لأنهم يرون الأمور عبر عدسات تشوّهها، صنعها لهم قادتهم وموجهوهم. وهذه العدسات تقلب صورة المنظور، وتحسّن القبيح، وتقبّح الحسن، فتختلط الأشياء، وتتشابك الرؤى، ويتكاثر "الخلاطون"، ليكثر الموالون المستقبليون. والله أعلم.