هناك قاعدة تراثية شائعة بين فقهاء الإسلام مقتضاها "يجوز للمفتي مخالفة مذهبه في فتواه، ولكن القاضي ملزم بالقضاء وفق مذهبه". والعلة في هذا التمييز بين الفتوى والقضاء رغم اشتراكهما في وجوب تحرّي الحق من قبل العالم، لا تتعلق بالعالم بالدرجة الأولى، بل بمن يرد إليه من المتقاضين أو طالبي الفتيا.
فطالب الفتيا أمره فردي لا يترتب على ما أخذ به من حكم أي تداعيات تخص الآخرين، كما أنه مخير فيها لا يُلزمه ملزم دنيوي بالأخذ بالفتوى أو العدول إلى غيرها. ولكن حال المتقاضي ليس كذلك، فالحكم الذي يتلقاه ملزم له ما دام ملتزما بالسلطة الزمنية التي نصبت القاضي لينظر في أموره وأمور من يماثلونه في خضوعه لتلك السلطة الزمنية، كما أن المتقاضين يقدمون إلى قضاتهم عادة بتصورات لما سوف يصادفونه من أحكام بناء على ما يعرفون من اتساق الأحكام في مذهب معين، بل ولا يبعد أن تلك التصورات نفسها هي ما أسهمت في دفعه إلى موقف معين كطرف في قضية قانونية.
عندما يعرف السائق السرعة المحددة قانونيا في أي طريق، سيلتزم بتلك السرعة سواء اقتنع بمعقوليتها أم لا. فالأمر أشبه بالتعاقد المسبق حينها بين السائق وحكومة البلاد التي أتاحت له الطرق وسمحت لسيارته باستعمال أراضيها، والاحتجاج بالغرر غير وارد مع وجود اللوحات التي تحدد السرعة بحيث يراها السائقون الذين دربوا على فهم ما تشير إليه قبل استخراج رخص السير الخاصة بهم.
ولكن كيف سيكون الأمر لو اختفت كل تلك اللوحات المحددة للسرعة وغيرها من اللوحات المرورية، أو فلنتصور أن تلك اللوحات تغيرت دلالاتها فجأة بدون أن يفسر أحد للسائقين الدلالات الجديدة التي باتت تحملها تلك اللوحات. ماذا لو أصرت إدارة المرور على عقاب المخالفين حينها؟
لن يكون هذا الأمر على الأغلب منطقيا بالنسبة للقارئ، ولكن هل فكر القارئ يوما أن الأمر لا يكون منطقيا أكثر عند لجوئه إلى محكمة تنظر في قضية تخصه بالاعتماد على مسبقات قضائية تراكمت على مدى أكثر من ألف سنة في مساحة جغرافية تمتد إلى نصف العالم تقريبا، وفق قواعد استدلالية لأربعة مذاهب كبرى يتقسم كل منها إلى مدارس فرعية أصغر داخل كل مذهب، مع معرفته التامة بجواز مصادفته لأي حكم ليس له أكثر من نظير واحد قد يستله القاضي من هذا التراكم الضخم.
صحيح أن الكتاب والسنة سيكونان المصدر التشريعي حينها، ولكن نصوص القرآن والسنة في تباينها من حيث قطعية الثبوت وقطعية الدلالة أدت إلى ظهور كثير من المدارس الفقهية المعتبرة، في مرونة تتسع لحركة الحضارة زمنيا ومكانيا. وهذا ما فهمه الفقهاء الأوائل فأعطوا للقضاة عناوينهم المذهبية تجنبا لمواطن اللبس ومواضع الغرر، حتى إنك تنظر في التراث إلى عقول عميقة الفكر إلى درجة تسامت بها عن تقليد المذاهب في كتاباتها ومؤلفاتها، ولكنها برغم ذلك لم تستطع الخروج عن الحكم بقضاء المذاهب التي تنتمي إليها، فالأمر في القضاء مختلف عنه في الشؤون الأخرى، فابن رشد مثلا عرف بكونه قاضي المالكية رغم عدم التزامه بالفقه المالكي في سائر آرائه، وقد تقع عند الاطلاع على ميل لأحدهم إلى مذهب معين في تنظيره وتأليفه، ولكن ذلك لا يؤثر على التزامه بمذهبه قضائيا، ومن ذلك ما يقال عن ميل ابن أبي العز قاضي الحنفية وشارح الطحاوية إلى المذهب الحنبلي دون أن تصطبغ أحكام قضائه بذلك.
إذا كان من الممكن استيعاب هذه الفكرة في تلك العصور التي لا تقارن بساطتها بالتعقيد الذي عليه حياتنا الآن، إذ طرأ من النوازل والثورات المعرفية والمدنية في القرنين الأخيرين مما لو بحث فقهيا بشكل جاد لأفرز الكثير من المذاهب المتباينة مع صحة انبثاق جميعها عن المصدر التشريعي ذاته.
لذلك فمن الظلم الفادح أن نرى تلك المطالبات بتقنين الشريعة موصومة باتهامات لا تستند في حقيقتها سوى على ارتياب لا حظ له من التبرير المنطقي أو الواقعي.
إن استنباط الأحكام الافتراضية قبل صبّها في قوالب تشريعية منسقة بعناية، لا يختلف كثيرا عما نقرأه في نقاشات الفقهاء الأوائل التي تعج بها كتب التراث الفقهي من قبيل (فإذا حدث كذا في ظرف كذا فإن الحكم سيكون كذا). ولكن المجدي هو أن اللوائح التشريعية التي سيفرزها ذلك الجهد ستكون واضحة يصح القبول بها تعاقديا بين المتقاضين من أبناء الوطن، فلا حيرة حينها ولا غرر، ولا تفاوت عجيبا بين الأحكام الواردة في القضايا ذاتها. فحقيقة الأمر لا تتعلق كما تبدو لي باختيار بين وضع وشرع، بل بين انضباط وفوضى، والله أعلم.