منهج ابن تيمية من أرقى المناهج وأبعدها عن التكفير، ناهيك عن توسعته العذرَ للمخالفين، وللمجتهدين في أصول الدين فضلا عن فروعه، فما كان ابن تيمية تكفيريا، وما كان مستهينا بأمر الدماء كما يفعل الإرهابيون اليوم متذرعين بابن تيمية، ومنزلين أحكام الكفر على المعينين فيقتلونهم بدم بارد بحجة أنهم مرتدون كفروا بعد إسلامهم، ولا كما يظن بعض من يتعاطى الثقافة فيحمل ابن تيمية مسؤولية ما يجري اليوم من أحداث لا يرضاها ذو عقل أو ضمير.

ولئن كنا قد تناولنا منهج ابن تيمية مع التكفير، فما الحال في منهج ابن تيمية مع المبتدع؟! أي من كان ليس من أهل السنة والجماعة؟ أما أن يكون كافرا فليس هو عند ابن تيمية بكافر، ولا تجري عليه أحكام الردة، فما العمل مع المبتدع؟.

قبل أن أذكر قول ابن تيمية؛ أحب أن أذكر أقوال أبرز أعلام السادة الأشاعرة -وهم غالبية أهل السنة اليوم- في التعامل مع المبتدعة الخصوم، ثم أثنّي بعد هذا بذكر منهج ابن تيمية ليتضح الأمر للقارئ العربي، فيعلم أن المشكلة ليست مشكلة ابن تيمية بل مشكلة التراث كله، وكيف نتعامل معه في هذا العصر.

هذا الإمام أبو حامد الغزالي -يرحمه الله- يقول في كتابه الشهير (الاقتصاد في الاعتقاد) في سياق حديثه عن الفرق المخالفة: "الفرقة الثانية: طائفة مالت عن اعتقاد الحق كالكفرة والمبتدعة، فالجافي الغليظ منهم الضعيف العقل الجامد على التقليد الممتري على الباطل من مبتدأ النشوء إلى كبر السن لا ينفع معه إلا السوط والسيف. فأكثر الكفرة أسلموا تحت ظلال السيوف؛ إذ يفعل الله بالسيف والسنان ما لا يفعل بالبرهان واللسان". انتهى.

فالحل كما يرى أبو حامد مع الجفاة ضعاف العقول الجامدين على التقليد من "المبتدعة" الذين كبروا على بدعتهم، الحل معهم هو السوط والسيف؛ لأنهما يفعلان ما لا يفعل اللسان! هل أبو حامد الغزالي -يرحمه الله- سلفي أم أشعري؟ بل هو أشعري.

وهذا القاضي عياض من كبار علماء الأشاعرة يقول في كتابه الشفا عن المخالفين من المبتدعة: "والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم، والصلاة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم؛ لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر". انتهى.

ضرب وهجر وقتل على حسب الحال مع المخالفين من غير الأشاعرة، كما يرى القاضي عياض، يرحمه الله.

أما الإمام عبدالقاهر البغدادي (الأشعري) صاحب الكتاب الشهير (أصول الدين) فيقول في حق المعتزلة: "اعلم أن تكفير كل زعيم من زعماء المعتزلة واجب من وجوه.. إلخ".

ثم أفاض في أسباب تكفيرهم، وهذا ليس تكفير إطلاق؛ بل تكفير أعيان (بعكس ابن تيمية -يرحمه الله- الذي لم يكفّر أعيان المعتزلة ولا غيرهم كما أوضحنا) يترتب عليه ما يترتب على أحكام التكفير.

وخصص البغدادي مسألة في كتابه الآنف الذكر حول أنكحة أهل الأهواء وذبائحهم ومواريثهم، فقال: "أجمع أصحابنا أنه لا يحل أكل ذبائحهم، وكيف نبيح ذبائح من لا يستبيح ذبائحنا؟، وأكثر المعتزلة مع الأزارقة من الخوارج يحرمون ذبائحنا، وقولنا فيهم أشدّ من قولهم فينا "تأمّل اعتراف البغدادي بأنه مع خصومه أشد من خصومه معه!"، ولا يجوز عندنا تزويج المرأة المسلمة من واحد منهم، فإن عُقِد العقد فالنكاح مفسوخ، وإن لم تعلم المرأة ببدعة زوجها حتى وطئها فعليها العدة، ولها مهر المثل بالوطء دون المهر المسمّى، والمرأة منهم إن اعتقدت اعتقادهم حرم نكاحها، وإن لم تعتقد اعتقادهم لم يحرم نكاحها؛ لأنها مسلمة بحكم دار الإسلام".

فالبغدادي الأشعري لا يجيز زواج الأشعرية من المعتزلي أو الشيعي، ولا زواج الأشعري من الشيعية والمعتزلية! فتأمل.

ثم يقول: "وأجمع أصحابنا على أن أهل الأهواء لا يرثون من أهل السنة، واختلفوا في ميراث السني منهم، فمنهم من قطع التوارث من الطرفين، وبه قال الحارث المحاسبي؛ ولذلك لم يأخذ ميراث والده لأنه كان قدريا. ومنهم من رأى التوريث منهم".

ثم ذكر مسألة قبول شهادات أهل الأهواء والاختلاف فيها، ثم طرح مسألة خطيرة جدا، ماذا لو كانت الدار دار أهل الأهواء؟ كأن يحكم فيها السلفيون مثلا -بحكم أن السلفيين عند الأشاعرة مجسمة ومشبهة- أو المعتزلة؟ أو الإباضية؟ أو الشيعة؟

يقول عبدالقاهر البغدادي في كتابه: "كل دار غلب عليها بعض الفرق الضالة ينظر فيها؛ فإن كان أهل السنة فيها ظاهرين يظهرون السنة بلا خفير ولا جوار من مجير ولا خوف على النفس والمال؛ فهي دار إسلام، واللقيط فيها حر مسلم لا يسترق، ويجب تعريف اللقطة فيها، وإن لم يقدر أهل السنة "أهل السنة عنده هم الأشاعرة" على إظهار الحق إلا بجوار أو مال يبذلونه؛ فهي دار حرب وكفر، واللقيط فيها كاللقيط في دار الحرب! "أي إنه يسترق كما يفعل بأبناء الكفار فتأمل".

ثم يقول: "واختلف أصحابنا في حكم أهل هذه الدار، فمنهم من حرم ذبائحهم ونكاح نسائهم وأجاز وضع الجزية عليهم -تأمل ثم تأمل هذا أخي القارئ-، وأجراهم في هذا مجرى المجوس وهذا اختيار الأستاذ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرائيني". انتهى عنفه يرحمه الله!

هذه إطلالة على بعض تراث الأشاعرة في التعامل مع المخالفين، أضعها بين يدي القارئ الكريم؛ ليعلم القارئ أن ابن تيمية لم يتفرد عن غيره من أئمة أهل السنة وعلمائهم فيما ذهب إليه من التعامل مع  المبتدع، إن لم يكن منهجه أقل عنفا من سواه، ومن الظلم أن يروج أن ابن تيمية متفرد بمنهج في التعامل مع المسلم المخالف لم يقل به غيره.

إن مشكلة التعامل مع المخالف مشكلة تراث وليست مشكلة ابن تيمية ولا غيره من العلماء.