أصعب المواقف أمام الكاتب هو الموقف الذي يفرد فيه فكرة مقال لدائرة عمله وجهة وظيفته، وفي العرف الأخلاقي يجب أن يكون الكاتب على الحياد اجتناباً لتداخل المصلحة الشخصية. لكنني اليوم أكتب بظهر بارد فأنا لم أطلب من جامعتي منصباً ولم أطلب منها حتى مجرد تذكرة سفر أو انتداب ليوم واحد أو حتى البدلات التلقائية التي يحصل عليها أستاذ جامعة. عشت وظيفتي الجامعية على الهامش ومن أراد فليأت للبرهان والإثبات. سأكتب اليوم ما يلي: أسوأ منصب في كل مجال التعليم هو أن تكون عميداً للقبول والتسجيل في جامعة. والسؤال: كيف تكون الوظيفة نفسها في جامعة تسجل رقما قياسيا في عدد الطلاب بجامعة مثل جامعة الملك خالد. كنت من قبل مؤمناً أن أصعب كراسي التعليم العالي وأكثرها حرارة هو منصب الملحق الثقافي السعودي في واشنطن. اليوم سأضيف إلى جواره مدير أكبر جامعة سعودية بالأرقام والبراهين: مدير جامعة الملك خالد التي لا تسجل رقماً قياسياً في أعداد طلابها فحسب، بل أيضاً في عدد الطلاب المستجدين، وفوق هذا تدير مكاتبه اليوم جامعتين ثم يضطر أيضاً إلى فتح الملف الساخن لطلاب الكليات النوعية بنجران للدراسة في جامعة الملك خالد تحت ضغط الظرف الوطني الطارئ.

والحقيقة المرة أن جسد التعليم العالي الوطني يرمي بثقله بما لا يقل عن خمس وزنه مكتملاً على خمسة أشخاص لإدارة جامعة واحدة. يرمي بهؤلاء تحت الضغط الاجتماعي لآلاف الأسر ولكل أسرة طلبها الخاص من الجامعة حتى أصبحت الوظيفة في الجامعة جحيماً لا يقبل به إلا سدنة الهم الوطني الشامل. وفي نظرية الاقتصاد الكلي تكمن حلول بيع التجزئة. لا يمكن لخمسة أشخاص إدارة مشاكل وحلول ثلاث جامعات. هؤلاء الخمسة يتحملون في اليوم الواحد مساحة عمل لا تتسع لها ساعات اليوم الواحد، فأين تكمن بقية الحلول؟ هي: مرة أخرى حلول التجزئة، لا يمكن أن نفتح خمس جامعات في خمس محافظات بينما خامس أكبر مدينة بالمملكة مثل خميس مشيط لا توجد بها جامعة مستقلة رغم أن الجامعة "الأم" قد أكملت لهذه المدينة تمهيد البنية الأساسية. لا يمكن أيضاً أن نهضم أن القطاع التهامي من القنفذة إلى محايل وألمع يدفع في العام الواحد بما معدله 45 ألف طالب وطالبة من الثانوية العامة ثم يبقى هذا القطاع السكاني الواسع العريض بلا جامعة، أختم بالقول إن خريطة التعليم الجامعي ليست مجرد استئجار المباني وفتح الفروع والقاعات. الجامعة بكل الاختصار هي النسبة الطلابية الموزونة التي نستطيع معها محاسبة إدارتها على الكفاءة والجودة. أما أن نحشر خمس جامعات في واحدة فقط ثم نترك كل هذه الكتلة الثقيلة جداً على كاهل خمسة أشخاص فهذا عبث لا يحتمل.