نعيش هذه الأيام في المملكة فعاليات دورة انتخابات المجالس البلدية الثالثة، وهي الانتخابات التي أعطت بعدا ثقافيا جديدا في حياة المواطن السعودي على المستوى الثقافي، وأسست لمسألة الوعي بالمصطلحات التي كانت تقريبا مشوهة ومشتبهة عليه، أو هكذا أرادت لها مرحلة تاريخية فكرية وسياسية واجتماعية ودينية، مثل مصطلح انتخابات واقتراع وتصويت وناخب ومرشح ومركز انتخابي، وعبارات ديموقراطية أخرى مثل قرار الناخب وحرية الاختيار والمشاركة في صنع القرار... إلخ.
وجعلتها مفردات وعبارات متداولة ومألوفة لدى جمهور العامة من الناس، وهذه سياسة متوازنة تراعي مرحلة التحول إلى مستقبل مشاركة واسعة. فيما شكل إقرار دخول المرأة إلى معترك الانتخابات البلدية نقلة كبيرة أخرى، تُضاف إلى سابقتها كمرحلة ستشكل وعي الشارع، حتى وإن قابلتها بعض التحفظات المتوقعة من شريحة من التيارات الفكرية.
ويُعد قرار دخول العنصر النسائي إلى حلبة الترشيح والمنافسة على مقاعد المجلس البلدي، خطوة نوعية كبيرة إلى الأمام قطعا، وهذه الخطوة تضعنا في الواقع أمام تحول وعي اجتماعي مهم، سيسجله التاريخ بمداد من ذهب لمن ستسجل اسمها في القائمة الأولى للمرشحات وإن لم تفز.
وكذا سيشكل التعديل على قرار عدد الأعضاء المنتخبين إلى عدد المعينين ورفع تمثيله إلى الثلثين، خطوة مهمة على المستوى النفسي والإقبال الجماهيري على الترشيح والمشاركة في صنع القرار، وهو ما حدث بالفعل، ففي محافظتي الصغيرة ارتفع عدد المرشحين المسجلين في اليوم الأول فقط إلى 25 مرشحا ومرشحة، وهي نسبة مرتفعة جدا قياسا بسابقتها التي تقدم إليها أقل من نصف هذا العدد.
أما على مستوى تعديل الصلاحيات الخاصة للمجالس، فقد شملت القائمة هذه المرة التعديل على بعض الصلاحيات التي كانت تشكل عائقا كبيرا لعمل المجالس البلدية وطموحاتها، ستعطيها نكهة مختلفة جدا عن سابقتها، من حيث الفعالية والنوعية إلى حد معقول.
صحيح أن الصلاحيات الممنوحة ما زالت لا تعطي صفة قرار مُلزم كامل، وتسير ببطء، لكنها أيضا وعلى أية حال تسير إلى الأمام وهو المهم.
ما يُعكر صفو الاحتفاء ربما بهذه الصلاحيات والمتغيرات الفكرية السياسية والاجتماعية والثقافية الكبيرة الرائعة، يتمثل في قرار الوزارة منع المرشحين والمرشحات من استخدام صورهم الشخصية في حملاتهم الدعائية، على العكس مما كان معمولا به في الدورات الانتخابية السابقة، إذ تقول المادة السابعة عشرة من لائحة الحملات الانتخابية نصا إن "لكل مرشح -ورد اسمه في الإعلان النهائي لقائمة المرشحين- الحق في تنظيم حملة انتخابية للتعريف بنفسه وببرنامجه الانتخابي وفقا للأحكام الواردة في النظام وهذه اللائحة مع الالتزام بالمدة المحددة لذلك في البرنامج الزمني على ألا يتضمن ذلك نشر صورة شخصية للمرشح"..!
وليت أن المادة قالت "إنه يحق لكل مرشح الامتناع عن استخدام صورته الشخصية في حملته الانتخابية"، لكان ذلك في ظني أكثر قدرة وتعبيرا وتماشيا مع مفهوم العملية الانتخابية، وحرية قرار المرشح قبل الناخب.
فهذه المادة من اللائحة تعود بنا إلى مربع الخلاف على قصة الصور الفوتوجرافية الشخصية واستخداماتها، وتبدو كمن يؤكد مسألة فقهية خلافية عميقة، ويتزامن ذلك مع إقرار الوزارة خطوتها المهمة بدخول العنصر النسائي إلى ميدان التنافس الانتخابي، ويبدو أن الوزارة بمنعها استخدام المرشحين صورهم الشخصية في حملاتهم الانتخابية، قررت أن تتجنب الدخول في أية صراعات محتملة، خصوصا مع وجود رأي بعدم جواز كشف المرأة وجهها، وضرورة الالتزام بالحجاب والتغطية، فهي تتوقع بل ومتأكدة من استخدام بعض المرشحات لصورهن في حملاتهن الانتخابية، وامتناع بعضهن عن ذلك، وتدرك الوزارة أن ذلك حق مشروع للمرشحة، لكنها هنا تقع في مطب هضم حق المرشحين في تقديم أنفسهم إلى الجمهور، وحق الناخبين في رؤية ومعرفة من سينتخبون، إذ ستبدو الحالة وكأنها "ناخب ما شفش مرشح"، إذا ما علمنا أن للصورة تأثيرا مهما على نفسيات الناخب والمرشح على حد سواء.
وهنا أتمنى على الوزارة إدخال تعديل على المادة الـ17، يسمح بحرية استخدام المرشحين صورهم للتعريف بأنفسهم، كما فعلت مع اشتراطات مواد قيد وإثبات الناخبين لسكنهم في لائحة قيد الناخبين.
فللناخب حق معرفة كل التفاصيل عمن سيرشح ويمنحه صوته بثقة.