برغم كل الجهود الدولية المبذولة لمحاربة الإرهاب إلا أن تنظيم القاعدة لايزال قادرا على التحرك بصورة ذكية في مناطق يصعب على المجتمع الدولي السيطرة عليها، ولعل النشاط الإعلامي الكبير الذي تحاول فيه القاعدة تغطية عملياتها الفاشلة وضعفها الميداني في المواجهات العسكرية يمكننا من رؤية قدرة التنظيم على التحرك بشكل مريح إلى حد ما في بعض الدول والمناطق، فإذا ما نظرنا إلى بؤر تواجد التنظيم ونشاطه حول العالم نلاحظ أن الفوضى والاضطرابات واختلال الأمن أو ضعفه أسباب رئيسة في الظهور فالتنظيم يختار الدول الضعيفة الهشة لينشط فيها ويتوسع ويتمدد، فيما ينحصر النشاط ويكاد ينعدم في دول أخرى تميزت بالصرامة الأمنية واستتباب الأمن والشدة في التعامل مع الخلايا والتنظيمات المتطرفة كالسعودية ودول الخليج مثلاً رغم انضمام بعض مواطنيها أو قيادتهم للتنظيم في بلدان أخرى.
لذا فالخريطة القاعدية النشطة تضم دولا كأفغانستان التي لم تعرف الاستقرار منذ عقود والصومال الذي يعاني من انهيار الدولة واليمن الذي يعاني من مشاكل متراكمة ومتداخلة في نفس الوقت بالإضافة إلى عامل التمرد المسلح لدى حركات الانفصال كالحوثيين والحراك الجنوبي بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المعقدة، كما أن إقليم وزيرستان الباكستاني الذي لا ولم يخضع للسلطات الباكستانية بل هو تحت سيطرة القبائل ولم يعرف الاستقرار أو الأمن.
اتجاه القاعدة إلى استغلال الأوضاع الأمنية لإيجاد بؤر وأماكن بديلة للانطلاق بدأ مبكرا فعندما كان أسامة بن لادن مقيما في السودان بين سنوات 1991 و1996 شجعه انهيار الدولة في الصومال على إيجاد موقع قدم فيها، وأرسل ممثلين له استطاعوا أن يؤسسوا قاعدة من الولاء الفكري قبل الحزبي مما جعل شريان القاعدة في الصومال مستمرا رغم انقطاع الاتصالات الهرمية بين القادة والأتباع.
وكان انهيار الدولة العراقية بعد إسقاط نظام صدام حسين في أبريل 2003 حافزا لتنظيم القاعدة على إعادة بناء هياكله في منطقة لم يكن له أي تواجد فيها, أسس على أثرها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وأسس لفكر جديد بدأه أبو مصعب الزرقاوي بعد أن استفرد بالقيادة المطلقة في العراق.
أيضا الاضطرابات التي شهدتها الجزائر أوائل التسعينات كانت بيئة خصبة لظهور السلفية الجهادية واستفحالها وتصديرها إلى دول الجوار خاصة بعد رجوع الأفغان الجزائريين إليها وتمكنهم من تأسيس "الجماعة الإسلامية المسلحة" سنة 1992 والتي تحولت بعد مرور سنتين من تأسيسها إلى قوة ضاربة حتى أصبحت هي الممثل الوحيد للجماعات الإسلامية بعد انضمام قيادات من (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) إليها في البدايات, كما أصبحت تعتبر نفسها الإطار الشرعي الوحيد لممارسة الجهاد ولا تعترف بأي إطار آخر للجهاد بما في ذلك "الجيش الإسلامي للإنقاذ" التابع للجبهة الإسلامية التي دخلت في المصالحة الوطنية الجزائرية. اضطرابات التسعينات الميلادية وفراغ الدولة الذي شهدته الجزائر مازالا إلى اليوم يتحكمان في الواقع الدموي الذي تعيشه الجزائر ودول أخرى مجاورة استطاعت تلك الجماعات من التسلل إليها وإيجاد موطئ قدم كالمغرب وموريتانيا التي أيضا أدت الانقلابات العسكرية والفوضى في مؤسسات الدولة إلى تنامي التنظيم فيها.
ومن خلال هذا التمدد القاعدي في المغرب العربي استطاعت القاعدة أن تتمركز في منطقة مضطربة وتشهد تجاذبات سياسية وفراغا دستوريا في بعض الأحيان أثمر عن تحركات كبيرة للتنظيم عادت عليه بمردود مادي كبير تجلى في الفدية التي تدفعها الدول مقابل إطلاق سراح رعاياها السياح التي عملت القاعدة على اختطافهم ولا تزال، ولعل هذا سر استمرارية القاعدة برغم الحصار الاقتصادي الذي جفف كثيرا من مواردها.
إن سياسة البحث عن الفوضى أو استغلال الاضطرابات واضحة بشكل كبير في الفكر القاعدي على الأرض لاسيما في نوعية الأهداف التي حاولت القاعدة تفجيرها مثل المنشآت النفطية في السعودية والكويت، التي يمكن بدورها أن تحدث نوعا من الفوضى الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمهد لمناخ مناسب لتحرك عناصر خفية في التنظيم يصعب تحركها في أجواء آمنة.