نظهر امتعاضنا من تلك السلوكيات التي بدأ بعض الشباب في ممارستها، والتي تبدو غريبة ومتناقضة، شيئا منها محاكاة للغرب في اللباس وقصات الشعر والغناء المصحوب بالرقص بطريقة غير لائقة، وأخرى تقليد -غير موفق- للماضي القديم في الهيئة واللباس "عصابة الرأس"، "الاحتزام بالسلاح" وأيضا الذائقة الفنية فلا تسمع إلا الشعبي شعرا وغناء، وكأنك أمام جيلين مختلفين تماما لا يعيشان في الزمان نفسه ويتقاسمنا المكان ذاته، وهنا يأتي التساؤل هل هؤلاء الشباب يبحثون عن هوية مفقودة؟ أم هو تمرد على الهوية الأصلية التي لم يجدوا فيها ما يحقق لهم الأمان والاستقرار النفسي، بل على العكس حملت من الترهيب والتخويف من الحياة ومباهجها الشيء الكثير، وبات الناس يخافون من ارتكاب المحذور في أي فعل يقومون به، وفيما تعمق الشعور بالخشية عند البعض إلى درجة الغلو والتطرف.. انقلب لدى فئة أخرى إلى تمرد على كل ما هو مألوف وأصبح البحث عن التقليعات والصرعات مطلبا لدى الكثير منهم.
ووسط هذا التغيير أو النكوص كان هناك غياب تام للفكر المعتدل والواعي بما يحتاجه هؤلاء الشباب من وسائل تعينهم على تخطي المشكلات دون انحرافات خطيرة قد تقودهم إما إلى المصحات النفسية "أمراض، إدمان" أو إلى معسكرات التطرف والإرهاب "القاعدة، داعش"، ومع الأسف أن غيابه كان في أكثر المؤسسات استقطابا للشباب؛ كالمدارس والجامعات، حيث غيب كل نشاط يستغل الطاقات وينمي المواهب، وحجمت الأنشطة المسرحية والفنية، وهي أكثر الأنشطة التي تحدث بهجة وتسمو بعقلية الفرد وسلوكه، خاصة المسرح الذي نفتقد إلى وجوده ونجهل قوة تأثيره، فيما لو عرضت من خلاله النصوص المسرحية الحرة غير المقيدة بفكرة ضيقة أو موجهة، كما كان حاله في الفترات الماضية، قبل أن تتضاءل تلك الأنشطة، ويحل بديلا عنها المعسكرات والرحلات الممنهجة؛ لتحقق فكر منظميها ورؤيتهم المستقبلية لما أصبحت عليه هذه الفئة من استكانة وطاعة وتقبل بصمت لكل ما توجه إليه! وإن كان حدث هذا في المؤسسات التعليمية، فالأندية الرياضية والتجمعات الشبابية لم تخرج عن ذلك الإطار، بل تقاعست عن دورها أيضا؛ معتمدة على تطوير المهارة الحركية فحسب.
إن لوم الشباب على سلوكهم دون أن يكون لدينا العلاج هو الخطأ بعينه؛ فاللوم لا يولد إلا العناد والتحدي مع استدعاء السلوكيات الأشد غرابة واستهجانا؛ فجيل اليوم تحيط به المتناقضات والتحديات التي تحجب عنه المسالك الآمنة، ويبقى دور المربين والمثقفين والأسر الوسطية التي تحتوي أبناءها، وتنتقي الجرعات التوجيهية المناسبة التي تحقق التوازن النفسي والفكري لهم.