ما فوق السطح وما تحته في المكان هما الثنائية الفكرية والمجتمعية التي تحوم حولها عوالم الروائي (نجيب محفوظ)، وهي خصيصة من خصائص أعماله الضخمة التي وردت في نسيج كثير من رواياته الواقعية، حين أفسح للمكان دور البطولة المطلقة وجعل المكان ذاكرة حية مثل (الثلاثية، زقاق المدق، خان الخليلي، قشتمر) وغيرها، لقد توغل محفوظ في لحم الأرض، لتبقي هذه الأماكن معبرة حتي اليوم عن صميم وجدان الشعب المصري كما يقول (شريف الشافعي)، فالمكان نعني به طوبوجرافية الحي، نمط البناء، أسماء الشوارع، المواضع الحقيقية والمتخيلة، أما فلسفة المكان فالمقصود بها (الدلالات الفنية لرصد الكاتب لعمليات التغيير عبر الزمان، وتأويل ما يقوله المكان ذاته كبطل في بعض الأحيان)، محفوظ يمنح المكان بعدا توثيقيا في: الأثريات والعمائر ودكاكين الحرفيين، والصنائعية والعطارة والأحياء الشعبية، والمقاهي والحوانيت والمشربيات والخانات والأزقة، وما تتسعه من أحداث وإسقاطات والتباسات علائقية، يظهر فيها محفوظ قدرته المخيالية والواقعية، وما يستنبطه من أحداث سردية ومتن روائي يتكئ علي (زمكانات) منفتحة علي أحداث وأمكنة، وأنوات تبوح وتخفي رغباتها واحتداماتها وقلقها وهواجسها، كذوات إنسانية مطحونة لها توق وشغف، ومجاهدات متشظية ومتوارية يبثها محفوظ في فضاءات رواياته؛ مما يحقق العجائبية والمتعة، وهدهدة الأحاسيس الغامضة، والانفعالات الوجدانية واستثارة الحواس المترسبة، سألته الكاتبة (نوال مصطفي) قبل عشرين عاما: أستاذ نجيب، قلت مرة إن ما يحركني حقيقة هو عالم الحارة، فهو عالمي الأثير، ما سر ارتباطك بالحارة؟ أجاب: (لا بد للأديب من شيء يلهمه، فالكتاب الذين نشؤوا في الريف مثلا يكون الريف حجر الزاوية في أعمالهم، وأنا ولدت في الجمالية وعشت في حواريها وأزقتها، وكنت أتردد بانتظام علي مقهي (الفيشاوي)، أفكر وأتأمل وأمشي في الشوارع، عالم الحارة يحركني بالفعل، وأعتقد أن الكاتب يسعي إلي أن يعيش في مكان يحبه)، لم يكتف محفوظ بالتدوين والمشاهدة والتربص بعوالم الحارة، بل أوغل في قراءة الأدب العربي والعالمي.. يقول: ( قرأت الشعر العربي بأخيلته وبلاغته، إنه يقف في مصاف أي شعر عالمي، أما الرواية فهي وليدة حديثة لا تستطيع أن تقف موقف الشعر، وليس عندنا في الرواية كتاب يقفون إلي جانب الشعراء العرب، قرأت الكامل للمبرد والأمالي للقالي، قرأت لتولستوي ودستو فسكي، وتشيخوف وموباسان وكافكا، وبروست وشكسبير وأونيل وإبسن، وملفيل وباسوس، ولم يعجبني (همنجواي) إلا في روايته (الشيخ والبحر).