اليمن، وما أدراك ما اليمن؟ أرض طيبة وشعب كريم، اليمن رحم العرب، خاصرة العروبة، مددها البشري، امتدادها الحضاري النقي منذ حضارة سبأ، وحكمة بلقيس في إرسال الهدايا للملوك، يريده الحمقى حروباً عقائدية لا تنتهي إلا لتبدأ، ويريده العقلاء يمناً مستقلا لا أميركيا ولا روسيا، بل يمناً أصيلا بلا أقنعة تروجها ناقلات النفط أو تهدد بها بوارج الحرب.

اليمن أكبر من الحوثي، بل تفضل اليمن أن تشق صدرها إلى نصفين على أن يحتضنها حوثي واحد، والحوثيون ربما أعقل من أن يعلنوا مجلس ثورة بقائد واحد وزعيم خالد، فتلك أمة سلفت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ولا يكرر حماقتها سوى من لم يتعلم درس التشافي من الاحتراق.

اليمن أكبر من الإخوان المسلمين، فهم كالنائحة المستأجرة، من يرعى مصالحها بالعطاء الأكبر، تنوح له أكثر، فتراها توزع صكوك الغفران على حسب مزاجها السياسي إلى حد التناقض، فتنفي أن يكون لها علاقة بهذه الجهة المتطرفة أو تلك الفئة المنشقة، ثم تراها تخطئ متعمدة بالترحم على المنشقين والمتطرفين، فهي نصيرة مصالحها الهلامية رغبة في البقاء وزعامة الدور ولو على رؤوس الأيتام وخراب الديار.

الإخوان المسلمون برغم كل مشاريعهم في التكيف الفكري مع العصر الحديث، ورغم كل الهجين الذي أنجبوه في العالم من أقصى التطرف إلى أقصى التملق، ما زالوا يحلمون بالخليفة المنتظر، لعبها الحركيون الشيعة عبر (ولاية الفقيه) فكان الخميني وما زال يلعبها الحركيون السنة عبر (الحاكمية) بصبر لا ينقطع ومكر لا يحد، وكلا الأداتين (ولاية الفقية والحاكمية) ملفوفة بشعارات حديثة مع تراث قديم كي يبيعوا بضاعة (الأصالة والمعاصرة) على كل سياسي مبتدئ كسول لا يعرف ابتكار الدروب، ولا استشراف المستقبل.

اليمن سيبقى، بعز عزيز أو ذل ذليل، والعزيمة الصادقة في وضع النقاط على الحروف لمن يعي قيمة اليمن ستقضي على مرتزقة التناقضات وتجار الحروب، فثوابت المصالح على المستوى العالمي تكمن في حركة حرة وآمنة في باب المندب، ولن تجرؤ إيران أو غيرها على التلاعب في هذه المسألة المتعلقة بحركة التجارة العالمية.

يبقى اليمن على المستوى العربي، فنرى أن مصر وعموم دول المغرب العربي المؤثرة لا تمانع أن يكون اليمن قوياً بما يكفي لتكتل عربي أكثر ثباتاً وقوة، وتبقى الريبة من بعض الدول التي لا تستوعب أن يرفض اليمن المعادلات القديمة في موازين القوى لدول الجزيرة العربية، وعليه فدولة ترعى الإخوان المسلمين كبوق ديني لها وعبر كوادرهم صنعت بوقها الإعلامي أيضاً، يهمها جداً أن تمارس نفوذها على اليمن عبر الإخوان أولاً، ليكون اليمن ذيلاً لها، رغم أنه بإمكان دولة محورية مثل السعودية أن تعيد ترتيب قائمة الدول في الجزيرة العربية الأكثر أهمية، فتعزز من قوة اليمن ليصبح مؤثراً بما يتجاوز طموحات من لا تسعفه الجغرافيا الصغيرة ولا التاريخ في ذلك، وتقطع الطريق بهذا على من ورائها من الباحثين عن المواقف والأدوار المجانية، ولنتذكر أن الدول لا تمنح مواقفها وتحالفاتها مقابل مكاسب مادية فقط، بل هناك مكاسب أبعد مدى وأعقد مما يظنه تجار الشنطة.

على المستوى الشخصي تائه جداً عن مكان (عمِّي) وأصدقائي في اليمن، من مختلف التوجهات السياسية والانتماءات القبلية، أتألم جداً لأوضاع الحرب التي تضيع فيها البوصلة على الفرد العادي ليميز العدو من الصديق، وأتألم أكثر أن رومانسية الشعوب وعلاقاتها الحميمة ترتهن أحياناً لضرورات السياسة القاسية والجافة، لكنها الرهانات الصعبة التي عاشها اليمن في الستينات، عبر حرب أهلية تجاوزت سبع سنوات ليقرر أنه جمهوري بقرابين الدم في تأبين دموي قاس لحقبة الإمامية الزيدية، وها هو يعيد خياراته الجديدة ليعيد السؤال القديم الجديد عن خيارات الجمهورية اليمنية المقبلة في ديمقراطية تشبه العراق، أو تونس، أم أن اليمن ليس إلا لبنان آخر عالق بالمنتصف؟! ونحن لا نريد موطئاً لداعش في اليمن، لا نريد (القاعدة جنوب جزيرة العرب)، لا نريد تفجير المساجد، التي يسميها المعتوهون معابد، لا نريد قتل المصلين على المذهب والطائفة، فقد علمتنا التجارب، ما تراه اليوم عند جارك، ستراه غداً في دارك، أما إيران بدون تضخيم إعلامي لها، فليست إلا سارقة للغسيل العربي الذي نشرناه بأيدينا على شاشات العالم منذ سقوط بغداد قبل (شنق صدام) وحتى مغسلة الربيع العربي، وليس هناك عربي ذو كرامة يقبل على نفسه هذه (الفيتيشية) الإيرانية، لكن ليتوقف العرب عن نشر غسيلهم في الأماكن العمومية، ولهذا يكرر العقلاء دائماً أن الحل يبدأ من الإصلاح الداخلي، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.