أعجبني كثيرا الشعار الذي تم رفعه في احتجاجات اللبنانيين على أكوام النفايات والذي تصدرته عبارة "طلعت ريحتكم" وهو تسويق منطقي وتوظيف عقلاني للفساد الذي تسبب في تكوم هذه الأرتال الكبيرة من القمامة خلال الأشهر الماضية دون أن تبدر أي حركة من الحكومة تنبئ عن حل لهذه الكارثة البيئية، فكان لابد من التحرك الشعبي الذي توافد تباعا على ساحات بيروت.
وأقول أعجبني شعار "طلعت ريحتكم" لأن للفساد رائحة نتنة، ثم تذكرت حالة الترهل الصحي عندنا والمخالفات الإدارية والمالية والإهمال واللامبالاة التي رافقت إجراءات مكافحة فيروس كورونا حتى تفشى ثم تغشى على نحو مقلق أصاب الناس بالفزع والوسواس، ثم أخذت قائمة الفساد عندنا تتداعى تباعا في ذاكرتي التي وعت تعثر المشاريع الحكومية التي تُعتمد لها المبالغ المليارية والخطط التنفيذية والزمنية ويتم التكليف بالمتابعة، ورغم ذلك فإنها تتأخر في الإنجاز، هذا على الرغم من أن مقاول المشروع – الأصلي أو الباطني – قد انتفخت جيوبه بمئات الملايين من مناقصة التنفيذ لكنه يتعمد – في حس وطني متدن- تنفيذ المشروع بأدنى المواصفات أو بالانتقاص من بعض المتطلبات لمجرد أن يزيد "هبرة" أرباحه، ولا يردعه في هذا التجاوز رادع ديني ولا أخلاقي ولا وطني، لا لشيء إلا لأنه يعتقد أن هذه الأموال التي يختلسها من المشروع هي من "حلال الدولة" المنتهك الذي لا حرمة له عند بعض "تجارنا" ومقاولينا – الظاهر منهم والباطن -، ولا أتذكر أنني قد سمعت تشهيرا أو عقوبة بأحد المقاولين الذين تولوا خلال سنوات مضت تنفيذا قاصرا لكثير من مطاراتنا أو طرقنا أو مستشفياتنا، لكن ما يبرر ذلك كله أن من أمن العقوبة أساء الأدب، أو من أمن المحاسبة والمراقبة أساء التنفيذ.
أخيراً قد يسأل أحدكم عن سبب الكتابة عن هذا الفساد حيث إنه معروف لدى القاصي والداني، فأقول إن جريدة "الوطن" قد أدخلتني في حالة من الفرح والتفاؤل في خبرها المنشور – الأسبوع الماضي – عن أن سبع جهات رسمية ستباشر التحقيق في مخالفات إدارية ومالية وجنائية رافقت إجراءات مكافحة فيروس كورونا، والأكيد أن الكثير من إجراءاتنا الحكومية وترهل بعض هذه الأجهزة قد أوصلانا إلى هذه المرحلة من الفساد التي انتشرت فيها البيروقراطية وساغت معها نتيجة لذلك الرشوة لإنجاز وتسريع بعض المعاملات الحكومية.
وانطلاقا من هذا التوجه الرسمي للتحقيق في أسباب تفشي فيروس كورونا وما قد يتبع ذلك من صرامة وحزم ومجالدة لكل الفاسدين فإننا من الآن وصاعداً سنرفع أصواتنا لكل الذين يتعثرون أو يرتشون أو يبخسون المواطنين حقوقهم، وعلى نسق الشعار اللبناني "طلعت ريحتكم" ونقول: "فكونا تراكم خيستونا".